التاريخ الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨١ - الحركة الرسالية في عهد الامام الرضا عليه السلام
امامه لا يعد سوى تلميذا له، وانه كلما اراد ان يكسب بالرضا شرعية لسلطانه كان الامر يأتي عكس ما يريد.
ومن جهة ثانية نقمة بني العباس عليه لما رأوا ان في ذلك خروج الأمر منهم، حيث اجتمع من ببغداد من ولد العباس ومواليهم وشيعتهم على خلع المأمون، ومبايعة ابراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة.
لذا عمد وبعد سنة واحدة على تولية الامام الرضا (عليه السلام) [١] على سمّه وتعجيل ايصال خبر وفاته الى بني العباس في بغداد مطمئناً اياهم ان الامر لازال في ايديهم.
اذن فان النظرة التي طالما يناقشها الباحثون عند الحديث عن ولاية العهد، من ان المأمون كان ينطلق من دوافع دينية ورسالية، ثم بعد ذلك غلب عليه الهوى والمصلحة لقاعدة ان الملك عقيم، هذه النظرة لا تصمد امام الواقع التاريخي الذي سبق تولية الامام الرضا العهد ..
ففي تلك الظروف الضاغطة على السلطة العباسية، من نتائج الخلافات الداخلية التي جرت بين المامون واتباعه وبين اخيه الامين ومناصريه، والتي خمدت على جثث عشرات الالوف من القتلى، ودمار بغداد
بكت عيني على بغداد لما
فقدت غضارة العيش الانيق
تبدلنا هموماً من سرور
ومن سعة تبدلنا بضيق
اصابتنا من الحساد عين
فأفنت اهلها بالمنجنيق
فقوم احرقوا بالنار قصرا
ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي يا صحابي
وقائلة تنادي يا شقيقي
وحوراء المدامع ذات دلّ
مضمخة المجاسد بالخلوق
تنادي بالشفيق؛ فلا شفيق
وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم اخرجوا من ظل دنيا
متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب بعيد الدار مُلقىً
بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً
فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على ابيه
وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنس من شيء تولى
فإتّي ذاكر دار الرقيق
[٢]. ثم الضغط الكبير الذي شكلته الثورة الرسالية في الكوفة (ثورة ابي السرايا) التي كانت تدعو الى الرضا
[١] بويع الامام الرضا يوم الخميس لخمس ليال خلون من محرم سنة اثنين ومائتين وقبض سنة ثلاث ومئتين (مروج الذهب/ ج ٣/ ص ٤٤١).
[٢] حوصر اهل بغداد وغادى القتال وراوحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الديار، وعفت الاثار، وغلت الاسعار، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة، وقاتل الاخ اخاه والابن اباه، هؤلاء محمدية (نسبة الى محمد الامين) وهؤلاء مأمونية وهدمت المنازل، واحرقت الديار، وانتهت الاموال. (مروج الذهب للمسعودي ج ٣ ص ٤٠٢). ويقول في صفحة ٤٠٤ من تاريخه:
" ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين اربعة عشر شهراً، وضاقت بغداد بأهلها وتعطلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها بما لم ينزل بها قط مثله، منذ بناها ابو جعفر المنصور". الى ان يقول:" وحوصر محمد في قصره من الجانب الغربي، فكان بينهم في بعض الايام وقعة تفانى فيها خلق كثير من الفريقين".
ويقول ايضا في وصفه لوقعة دار الرقيق:" وكانت وقعة اخرى عظيمة بشارع دار الرقيق، هلك فيها خلق كثير، وكثر القتل في الطرق والشوارع، ينادي هذا بالمامون، والاخر بالمخلوع، ويقتل بعضهم بعضاً، وأنتهبت الدور، فكان الفوز لمن نجا بنفسه من رجل وامرأة".
وفي ذلك يقول الشاعر:
بكت عيني على بغداد لما
فقدت غضارة العيش الانيق
تبدلنا هموماً من سرور
ومن سعة تبدلنا بضيق
اصابتنا من الحساد عين
فأفنت اهلها بالمنجنيق
فقوم احرقوا بالنار قصرا
ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي يا صحابي
وقائلة تنادي يا شقيقي
وحوراء المدامع ذات دلّ
مضمخة المجاسد بالخلوق
تنادي بالشفيق؛ فلا شفيق
وقد فقد الشفيق مع الرفيق
وقوم اخرجوا من ظل دنيا
متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب بعيد الدار مُلقىً
بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعاً
فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على ابيه
وقد هرب الصديق عن الصديق
ومهما أنس من شيء تولى
فإتّي ذاكر دار الرقيق