التاريخ الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٩ - ابناء زيد يتابعون مسيرته
سلطتهم، فسعوا بكل الطرق للقضاء عليها، عن طريق القضاء على عيسى.
قال علي بن محمد بن سليمان النوفلي: حدثني أبي عن أبيه وعمه، قال: إن عيسى بن زيد انصرف من وقعة باخمرى بعد مقتل إبراهيم فتوارى في دور بن صالح بن حي، وطلبه المنصور طلباً ليس بالحثيث، وطلبه المهدي وجد في طلبه حيناً فلم يقدر عليه، فنادى بامانه ليبلغه ذلك فيظهر، فبلغه فلم يظهر، وبلغه خبر دعاة له ثلاثه وهم: ابن علاق الصيرفي، وحاضر مولى لهم، وصباح الزعفراني، فظفر بحاضر فحبسه، وقرره ورفق به واشتد عليه ليعرِّفه موضع عيسى فلم يفعل، فقتله
تعودت مس الضر حتى الفته
واسلمني حسن العزاء الى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقاً
بحسن صنيع الله من حيث لا ادري
[١].
[١] نفس المصدر/ ص ٢٧٨.
أورد ابو الفرج الاصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين ص ٢٨٢ طريقه شهادة حاضر صاحب عيسى بن زيد، قال: قال محمد بن ابي العتاهية: قال: حدثني أبي: لما امتنعت من قول الشعر وتركته، أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأخرجت من بين يديه الى الحبس، فلما ادخله دهشت وذهل عقلي ورأيت منظراً هالني، فرميت بطرفي اطلب موضعاً آوي إليه او رجلا آنس بمجالسته، فاذا أنا بكهل حسن السمت، نظيف الثوب، يبين عليه سيماء الخير فقصدته فجلست اليه من غير ان اسلم عليه او اسأله عن شيء من أمره، لِما انا فيه من الجزع والحيرة، فمكثت كذلك مليا وانا مطرق مفكر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين، فقال:
تعودت مس الضر حتى الفته
واسلمني حسن العزاء الى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقاً
بحسن صنيع الله من حيث لا ادري
فاستحسنت البيتين وتبركت بهما وثاب إليّ عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضل اعزك الله باعادة هذين البيتين.
فقال لي: ويحك يا إسماعيل، ولم يكنني، ما اسوء ادبك، واقل عقلك ومروءتك، دخلت إلي ولم تسلم عليّ بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجعت لي توجع المبتلي للمبتلي، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى اذا سمعت منّي ببيتين من الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا ادباً ولا جعل لك معاشاً غيره. لم تتذكر ما سلفت منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مما قدمه وفرطت فيه من الحق حتى استشهدتني مبتدياً كأن بيننا أنساً قديماً، ومعرفة شافية، وصحبة تبسط المنقبض!
فقلت له: اعذرني متفضلا، فان دون ما انا فيه يدهش.
قال: وفي أي شيء انت، إنما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك اليهم، فحبسوك حتى تقوله، وانت لابد من ان تقوله، فتطلق، وأنا يدعى بي الساعة فأطلب باحضار عيسى بن زيد بن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأن دللت عليه فقتل، لقيت الله بدمه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا اولى بالحيرة منك، وأنت ترى احتسابي وصبري.
فقلت: يكفيك الله واطرقت خجلا منه، فقال لي: لا اجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما، فأعادهما علّي مراراً حتى حفضتهما، ثم دعي به وبي، فلما قمنا قلت من أنت اعزك الله؟ قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد. فأدخلنا على المهدي، فلما وقف بين يديه قال له: اين عيسى بن زيد؟ قال: ما يدريني اين عيسى، طلبته واخفته فهرب منك في البلاد، واخذتني فحبستني، فمن اين اقف على موضع هارب منك وانا محبوس؟
فقال له: فاين كان متوارياً؟ ومتى آخر عهدك به؟ وعند من لقيته؟
فقال: ما لقيته منذ توارى، ولا اعرف له خبراً.
قال: والله لتدلّني عليه، او لاضربن عنقك الساعة.
قال: اصنع ما بدا لك، أنا ادلك على ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتقتله، فالقى الله ورسوله وهما يطالباني بدمه، والله لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه.
قال: اضربوا عنقه فقدم فضرب عنقه.
ثم دعاني فقال: اتقول الشعر او الحقك به، فقلت: بل اقول الشعر، فقال: اطلقوه.