التاريخ الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - حياة الامام موسى بن جعفر عليه السلام
هارون: ان في هذا لفيصلا، فأرسل الى جعفر ليلًا، فلما طرق جعفر رسول الرشيد بالليل خشي ان يكون قد سمع فيه قول يحيى وانه انما دعاه ليقتله، فأفاض عليه ماء ودعا بمسك وكافور فتحنط بهما ولبس بردة فوق ثيابه واقبل الى الرشيد، فلما وقعت عليه عينه وشمّ رائحة الكافور، ورأى البردة عليه قال: يا جعفر! ما هذا؟ فقال: يا امير المؤمنين قد علمت انه قد سعى بي عندك فلما جاء رسولك في هذه الساعة لم آمن ان يكون قد قرح في قلبك ما يقال عليّ فأرسلت اليّ لتقتلني، فقال: كلا .. ولكن قد اخبرت انك تبعث الى موسى بن جعفر من كل ما يصير اليك بخمسه، وانك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار، فأحببت ان اعلم ذلك، فقال: جعفر: الله اكبر يا أمير المؤمنين، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بها بخواتيمها، فقال الرشيد لخادم له: خذ خادم جعفر وانطلق به حتى تاتيني بهذا المال، وسعى له جعفر جاريته التي عندها المال فدفعت اليه البدر بخواتيمها، فأتي بها الى الرشيد، فقال له جعفر: هذا اول ما تعرف به كذب من سعى بي اليك، قال صدقت ياجعفر انصرف آمنا فاني لا اقبل فيك قول احد [١].
فالذي يكون في مثل هذا المقام الكريم والنشاط المذهل كيف لا يخاف هارون العباسي من دمه، هارون الذي لم يدخر وسيلة الا واستعملها ضد الامام.
فقد روي ان هارون العباسي انفذ الى موسى بن جعفر (عليه السلام) جارية خصيصة، لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن، فقال الامام لمن اتى بها: قل له بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (النمل/ ٣٦)
لا حاجة لي في هذه ولا في امثالها، قال الراوي: فاستطار هارون غضبا وقال: ارجع اليه وقل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك اخذناك واترك الجارية عنده وانصرف، قال فمضى ورجع ثم قام هارون من مجلسه وانفذ الخادم اليه
[١] نفس المصدر/ ص ٢٠٨.