من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٤ - يا داود إنا جعلناك خليفة
التوبة تسبب له الذلة، وأن العزة بالإثم هي الأفضل، لأنها في نظره السبيل للرفعة.
والقرآن إنما يضرب لنا مثال الاعتراف بالخطأ والتوبة منه، من واقع النبي داود العالم الذي بلغ وولده سليمان ذروة السلطة، لأن التوبة تصعب على الإنسان حينما يكون في موقع متقدم من المجتمع، كما لو كان والدا بالنسبة لأسرته أو كان عالما أمام تابعيه، وتصل الصعوبة ذروتها إذا كان حاكما وعالما في مستوى داود عليه السلام. ولعل هذا من حكم تعرض الأنبياء للفتنة، وأن الله يِكِلَهُم إلى أنفسهم فيرتكبون الهفوات، ثم يتوبون إلى الله ليكونوا قدوات صالحة للبشرية في حقل التوبة- وهو أعظم حقل- كما هم قدوات في سائر الحقول. ولا بد لنا ونحن نخوض الصراع أن نتذكر هؤلاء العظماء كما أمرنا الله حتى لا يتكبر أحدنا على النقد والاستماع إلى آراء الناس في تصرفاته وبالتالي لكي لا يتعالى أحدنا على المجتمع باسم أنه يمثل طليعته المتقدمة.
[٢٦] أهم شروط الحاكم الذي يتصرف في دماء الناس وأموالهم، تمحوره حول الحق، ولكن كيف يعرف صدق الحاكم الذي يدَّعي أنه يحكم بالحق؟ إنما عندما يخالف هواءه ويتراجع عن قرار اتخذه إذا عرف أنه كان مخاطئاً، ويعترف أمام الناس بذلك ويتوب إلى الله، ويصلح منهجه. من هنا نجد السياق القرآني يذكرنا بأن الرب استخلف عبده داود عليه السلام في الأرض بعد أن ابتلاه وعرف أنه يخالف هواه ويتراجع عن الخطأ إذا عرفه. يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ إن الأرض وما فيها من بشر وإحياء وتراب أمانة الله في عنقك، وعنق كل حاكم ولا تصان هذه الأمانة إلا بتحكيم الحق، أما لو تحكم الباطل فسوف تفسد الأرض ومن عليها من الأحياء والناس قال تعالى يصف الذي يتبع الباطل في حكمه وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: ٢٠٥].
ولهذا عقب القرآن مبينا أهم وظائف الحاكم وما يتصل به من مؤسسات تشريعية وقضائية وتنفيذية قائلا فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ ولكي يلتزم الحاكم بالحق يجب أن يتجاوز أهواءه وشهواته، حتى لا تنعكس علاقاته الاجتماعية، ولا ضغوط الناس وإغراءاتهم على آرائه في الحكم. وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومن أجل أن نعرف معنى من معاني هذه الآية الكريمة تكفينا نظرة واحدة لواقع المسلمين، الذين صاروا ضحية لأهواء الحاكمين في الأمة، أوليس أبعدوا الإسلام عن الحكم لأنه يتناقض مع أهوائهم، ولأنهم لا يجدون فيه مبرِّرا لنزواتهم وتصرفاتهم المنحرفة؟؟ وهذا هو الضلال.
ومن هذه الآية الكريمة استوحى الحديث الشريف (ولاية الفقيه) قال الإمام الصادق عليه السلام حسب رواية الإمام العسكري عليه السلام
(فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً