من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩١ - يا داود إنا جعلناك خليفة
وربما كان يطمع أن يتمها مئة، أو لأنها أنثى فأراد أن تلد له. فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا أضمها إلى نعاجي وأتحمل مسؤوليتها، واستمال قلبي بحديثه الذي اشتمل على المدح والإطراء. وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ أي غلبني بحججه وحيله فقبلت ذلك.
[٢٤] وبعد أن أنهى المدعي كلامه بادر داود عليه السلام وأصدر الحكم ضد الطرف الثاني، من دون الاستماع إلى دفاعه ودون أن يطالب بالبينة. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ومضى السياق يستوحي عبرة جانبية للقصة متمثلة في خطر الشراكة بين الأطراف، وأن الضمان الوحيد لتجنب هذا الخطر هو الإيمان. وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ويُستثنى من قاعدة الظلم والاعتداء التي هي ديدن أكثرية الشركاء المؤمنون الصالحون إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ والذي يدفع أولئك للاعتداء هي أهواؤهم وشهواتهم، المتمثلة في مجموعة من الصفات السلبية، كالحسد والطمع، وحب الدنيا. و .. و .. أما المؤمنون فإنهم يتغلبون على كل ذلك بالإيمان الذي يحصنهم، وبالعمل الصالح الذي يثبت الإيمان ويعودهم على فعل الخير. ولكن القليل هم المؤمنون الذين يصرعون شهواتهم.
معنى الفتنة
وبهذا الاستطراد أنهى داود عليه السلام القضية لصالح صاحب النعجة الواحدة، أما بقية الآية فهو إضافة من عند الله عز وجل تتضمن نقدا لتصرفه عليه السلام وبيانا بدر منه وأخيرا موقفه من موعظة الله له. وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ماذا كانت فتنة الله لداود عليه السلام التي انتبه إليها وتصورها فورا، إذ إنها جاءت في صورة نزاع بين اثنين كانا في الواقع ملكين أراد الله أن يعلم من خلال قضيتهما طريقة القضاء لداود؟
في هذه الآية قولان
الأول: وهو يتناسب مع موقف اليهود والتوراة المحرف من الأنبياء عليهم السلام وخلاصته: أن الذين تسوروا هم الملائكة وكان الهدف امتحان داود عليه السلام فهو لم يعرف بأنهم ملائكة، ثم إنهم لم يريدوا من طرحهم للنزاع أن يحكم لهم داود في النعاج بالمعنى الظاهر والمتعارف لأنهم أساسا لا يملكون نعاجا، ولم تحدث لهم قضية من هذا النوع، إنما أرادوا صرفه إلى قضية اجتماعية ولكنه لم يتوجه إلى مقصدهم في البداية، ثم أدرك ذلك فتاب إلى ربه توبة نصوحا.
والقضية الاجتماعية هي أنه كانت لديه (٩٩) امرأة بين حرة وأمة، فعشق زوجة جميلة لرجل من بني إسرائيل يقال له (أوريا) فأراد أن يتزوجها لتتم له مئة زوجة، فقدمه في إحدى