من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٠ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
سيجد الكون بما فيه من خلق وسنن يسيران معه. وكذلك لو قرأ التأريخ لاهتدى إلى نفس الحقيقة، وحتى المجاميع التي يعاصرها سوف تخضع لله شاءت أم أبت، وإذا لم تختر ذلك عن وعي وإرادة حرة، فسوف تجبر عليه بإرادة الله وبسننه التي أجراها على الخلق أجمعين.
ولكي نؤمن بهذه الحقيقة يدعونا ربنا إلى النظر في التأريخ، فهو مليء بالشواهد الدامغة عليها، فأولئك الذين رفضوا رسالات الله، ولم يخضعوا لها ولرسله أهلكهم ولم تغن عنهم قوتهم شيئا.
كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ القرن الناس الذين يعيشون مقارنين مع بعضهم زمانا ومكانا، وكم أداة استفهام تدل هنا على الكثرة. والله إذ أدخل هذه الأداة في التعبير أراد أن يهدينا إلى أن هذه السنة لم تتجل مرة واحدة وحسب فالتأريخ كله شواهد عليها وكانت هذه السنة الإلهية جديرة بأن تتعظ بها الأمم إلا إنها تكتشف خطأها متأخرا حين لا تنفع التوبة.
فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ قالوا: لات كان في الأصل لا (لنفي الجنس أو المشبهة بليس) ثم أضيفت إليها التاء لتأكيد النفي كما تضاف إلى ثَمَّ ورُبَّ للغاية ذاتها. والمناص المنجى والغوث يقال ناصه ينوصه إذا أغاثه.
هكذا يصور القرآن وضعهم حين ينادون بالاستغاثة والتوبة والتألم حال نزول العذاب، ولقد أطلق القرآن لكي يذهب بنا الخيال إلى كل تلك المفردات لندائهم الميؤوس، ولكن ذهب وقت الغوت. أو ليست الفرصة فاتتهم إلى الأبد؟! وتلك عاقبة الاعتماد على القوة، والاعتزاز بغير الحق، فهذه الأمم اعتمدت على منطق القوة في الحياة، ورفضت الخضوع إلى المنطق والحق، وغفلت أن للحق قوة لا تُحدُّ هي قوة الله عز وجل، وقد أبى الله تشريعيًّا وتكوينيًّا أن ينتصر الباطل على الحق وأن تكون العاقبة إلا في صالح الرسالات وحملتها.
[٤] وللتمثيل على عزة الكافرين وشقاقهم، وصدودهم عن الذكر والموعظة، يحدثنا عن واقع المشركين وموقفهم من رسالة الإسلام وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ لأنهم كانوا يتصورون الرسول يختلف عن الناس، فكفروا به إذ لم يتفق مع مقاييسهم التي تريد الرسول قويا وذا مال كثير لا أن يكون من وسطهم الاجتماعي، وطبقتهم المالية وهذا التصور ناتج عن اعتزازهم بالقوة والمال لا بالحق، فهما عندهم القيمة الأساسية في الحياة. ولأن منطقهم أضعف من أن ينال من قيم الرسالة أشكلوا وعابوا على الرسول، ليس في أخلاقه فهو باعترافهم جميعا كان في الذروة، ولكن على وضعه المادي والاجتماعي. ولم يكن هذا التبرير كافيا لرفضهم قيادته وزعامته فقد جاءهم بالحق والآيات، ولا بد لهم من تبرير آخر ليتهربوا من المنطق الحق المتمثل