من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٩ - سبحان ربك رب العزة عما يصفون
وقد اختلف المفسرون والفقهاء في تحديد أفضل كلمات الذكر، فمنهم من قال: إنه (الحُمْدُ للهِ)، وقال آخرون إنه: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وجماعة ثالثة قالوا: (اللهُ أَكْبَرُ) هو أعظمها، والذي- يبدو لي- أن كلمة (سُبْحَانَ اللهِ) هي أعظمها وأثقلها وزنا عند الله، لأن طبيعة الإنسان طبيعة مرتكزة في الجهل بمعناه الشامل، وبالتالي في الابتعاد عن الله، وهذا ما يدعوه إلى تصور الخالق حسب طبيعته، فإذا به يصوِّره محدودا، عاجزا، جاهلا، مركبا- مثلا- انطلاقا من نظرته إلى نفسه والأشياء من حوله، ثم إن روعة جمال الطبيعة، وتزيين الشهوات التي تدعو النفس إليها، وسيطرة الجبارين والمترفين كل ذلك قد يبعد المؤمن عن ربه، ويجعله يشرك به شركا خفيا، مما يجعله يحتاج إلى تكرار التسبيح. وكلمة المخلصين (سُبْحَانَ اللهِ) التي تلهج بها ألسنتهم هي اعتراف بالعجز عن معرفة كنه الله، إلا المعرفة التي تخرجه عن حدَّ التعطيل والتشبيه والتي دعا إليها أئمة الهدى عليهم السلام، وهذا يبعدهم عن العقائد الضالة.
قال الإمام الصادق عليه السلام
(إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوَّتٍ وبِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ وبِالشَّخْصِ غَيْرَ مُجَسَّدٍ وبِالتَّشْبِيهِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ وبِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الحُدُودُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الآخَرِ فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الخَلْقِ إِلَيْهَا وحَجَبَ مِنْهَا وَاحِداً وهُوَ الِاسْمُ المَكْنُونُ المَخْزُونُ فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ فَالظَّاهِرُ هُوَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى وسَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً) [١].
وسئل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ما تفسير سبحان الله؟ قال
(يَا أَبَا الحَسَنِ مَا تَفْسِيرُ سُبْحَانَ اللهِ قَالَ هُوَ تَعْظِيمُ جَلَالِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَنْزِيهُهُ عَمَّا قَالَ فِيهِ كُلُّ مُشْرِكٍ فَإِذَا قَالَهُ العَبْدُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ)
[٢]
[١٨١] وكما للمؤمن علاقة بالله شعارها التسبيح، ومحتواها العبودية والطاعة، فإن له برسله علاقة أيضا ولكن شعارها السلام، وواقعها الحب والاقتداء ضمن المسيرة الواحدة. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ووجود علاقة السلام بينك وبين المرسلين دليل على المسيرة الواحدة، والتوافق في الحياة، وقبل أن يسلم الإنسان على الرسل يجب أن ينظف قلبه ليرتفع إيمانه إلى هذا المقام العظيم، والذي لا يطهر نفسه وعقله وسلوكه، وبالتالي يسير على خطى الأنبياء، فإنهم بريئون منه، لأنه حينئذ يحارب فكرهم بفكره المنحرف، وقيادتهم بطاعته للطاغوت، وخطهم بالانتماء إلى الخطوط المضادة لرسالات الله.
[١] الكافي: ج ١ ص ١١٢.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ٥ ص ٣٢٢.