من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٨ - سبحان ربك رب العزة عما يصفون
[١٧٧] إن هذا التحدي التام من قبل الكافرين لربِّ العزِّة إنما هو بسبب جهلهم بقدرته، وطبيعة العذاب الذي ينزله على الملحدين. فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ الغضب الإلهي متجسدا في العذاب الدنيوي، يعقبه عذاب الخلد في الآخرة. فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ وغضب الله أكثر ما ينزل في الصباح، والكفار في كامل قوتهم ويقظتهم، وذلك ليشعروا بحقارتهم، وليذوقوا العذاب بأقصى ما يمكن للإنسان، ذلك زيادة في السوء لهم، لأنهم ليس لم يستجيبوا للنذر وكذبوها فحسب، إنما بارزوا الله تحدياً ومحاربة، والقرآن يكرر الإشارة إلى الصباح كزمن للعذاب، قال تعالى إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود: ٨١].
[١٧٨] ويرجع السياق مرة ثانية للتؤكيد للرسول على ضرورة تركه للكفار وهجرهم، وانتظار الفرج الإلهي. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ أي حين يحين موعد الانتقام الإلهي منهم، بتحطيم كبريائهم، ونصر رسوله عليهم.
[١٧٩] ويبيَّن السياق أن عاقبة النصر لرسوله، والهزيمة للكفار واقعة لا ريب فيها حتى لكأنها أمام بصر الجميع. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ حينما نتلوا القرآن نجد آيات كثيرة منه تؤكد على الرسول بأن لا يقتل نفسه بتحميلها بالغ الهم من أجل الذين يرفضون الرسالة، وأن مسؤوليته تنتهي بتبليغ رسالته، وهذا الأمر يهم المؤمنين الذين يسيرون في خط الرسول صلى الله عليه واله أيضا، فواجبهم هو أن يكيفوا أنفسهم وسلوكهم في الحياة حسب تعليمات ربهم أثناء الدعوة إليه، فإن آمن الناس التحقوا بهم، وإن كفروا فهم وشأنهم، وليس مطلوبا أن يبالغوا أكثر من اللزوم في هدايتهم، لأن ذلك قد يصرفهم عن بعض الواجبات، ويؤخر مسيرتهم باعتبارهم سوف يصرفون جهودا مكررة بالأولى لهم أن يبذلوها في أعمال وخطط أخرى تقدم العمل خطوة إلى الأمام.
[١٨٠] وختاما لهذه السورة التي عالج سياقها موضوع الشرك، وبعض الأفكار الخاطئة، والتصورات التي اعتقد بها المشركون نجد تنزيها لله عزَّ وجلَّ بأكرم الألفاظ وأجلها عنده تعالى وهي لفظة سُبْحَانَ. إن دعوة القرآن للمؤمنين بأن لا يبالغوا في وعظ المشركين لا تعني أن يرضوا بهم وبما يدعون و يعملون، إنما يجب عليهم التسبيح تنزيها لله وذلك لكي لا يتأثروا بشركهم، لأن من طبيعة البشر تأثره بأفكار الآخرين ولو جزئيا، فإذا لم يكونوا قادرين على أن يتخذوا موقفا عمليا أو قوليا فليسبحوا ربهم في قلوبهم تسبيحا كثيرا. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون الناس على اختلاف أديانهم ومذاهبهم الفكرية يصف كل جماعة منهم ربه بوصف لا يليق ومقام الربوبية، ولكن عباد الله المخلصين هم الذين يصفونه بما يليق به عبر التسبيح.