من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢١
الذرية التي تهش لها نفس كل حي، لا يستبد به الفرح حتى يدخله في الغرور، كما أنه لو فقد شيئا من النعمة لا يستبد به اليأس حتى يدخله في الكفر بالنعم، لأنه يعلم بأن المقدر لكل ذلك هو الله الذي لا يظلم ولا يجور سبحانه وتعالى.
[٥١] وفي سياق الحديث عن آماد ضعف البشر، وأبعاد حاجته، وضرورة اتصاله بمعدن القوة، وينبوع الغنى برحمة الله الذي له ملك السماوات والأرض يهدينا الرب إلى نعمة الرسالة، ويتصل الحديث عن الرسالة بالجو العام لسورة الشورى التي تختم بهذه الآيات اتصالا متينا، ذلك لأن الشورى- كما أسلفنا- متممة للنظام السياسي للأمة، ومحور هذا النظام بل وأساس الأمة هو الوحي الذي يضفي على المجتمع المسلم صبغة الله، ويحييه بكلمة التقوى، ويوحده حول محور القيادة الرسالية المتمثلة في الرسول صلى الله عليه واله وذوي القربى من أهل بيته المعصومين ومن اتبع نهجهم من الفقهاء الصالحين!.
ولم يمن الله على عباده بنعمة أعظم ولا أروع ولا أنفع من الوحي. إنه التجلي الأعظم لرحمة الله التي وسعت كل شيء، وأي تقدير أو أي احترام أكبر من أن يتلقى الإنسان كلمات جبار السماوات و الأرض؟!. وأي قلب عظيم هذا الذي يتلقى هذا الأمر الثقيل فلا يتصدع.؟! أي سماء تحلق بها هذه النفس الكريمة التي تستقبل كلمات الله التي لو ألقيت على الجبال لتصدعت ولو وجهت إلى الموتى لتكلموا أو إلى الأرض لسارت سيرا.؟!.
ولكن كيف ينزل الله كلماته على البشر؟ بواحدة من السبل التالية* وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً ما هو الوحي؟ حسب اللغة وموارد استخدام الكلمة أنه قذف الحقيقة في القلب قذفا. قال الشيخ المفيد: [... وأصل الوحي هو الكلام الخفي، ثم قد يطلق على كل شيء قصد به إفهام المخاطب على الستر له من غيره والتخصيص له به دون من سواه، وإذا أضيف إلى الله كان فيما يخص به الرسل عليهم السلام خاصة دون سواهم على عرف الإسلام وشريعة النبي ..] [١]. وروي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في معاني الوحي
[فَأَمَّا تَفْسِيرُ وَحْيِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى
* إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ...
إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
وَأَمَّا وَحْيُ الإِلْهَامِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَ
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
وَمِثْلُهُ
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ.
[١] بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٢٤٨.