من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٩ - لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى
أكثر من نبي وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ونجد الآية ذاتها مكررة في سورة الشعراء [١].
وقد حدا هذا الاعتراض ببعض الرواة إلى تغيير التفسير السابق إلى تفاسير أخرى، بعضها بعيدة عن قيم الرسالات الإلهية. ولكن إذا عرفنا أن الإسلام هو آخر تجل لنور الرسالة، وأنه كان بحاجة إلى قيادة شرعية نابعة من قيمه الربانية، تحافظ عليه من زيغ المترفين، وإلحاد الطغاة، وضلالة الجاهلين، وأن الله الذي أحكم تدبيره في خلقه قد اختار لرسالته من يحمل مشعلها من أهل بيت الرسول صلى الله عليه واله كما اجتبى من آل إبراهيم وآل يعقوب من يحمل مشعل الرسالة من بعدهما .. إذا عرفنا كل ذلك فإننا نهتدي إلى الحكمة البالغة وراء جعل المودة في القربى أجرا للرسالة، إذ إن الهدف منها ولاء القيادة الشرعية التي تحمل مشعل الرسالة، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان: ٥٧]، فالأجر هو السبيل إلى الله، والأجر في الآيات الشريفة هنا هو الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، فإذن هو في معنى اصطفاء آل ابراهيم وآل عمران لحمل الرسالة.
فمن أراد أن يشكر رسول الله على الأذى الكبير الذي يتحمله من أجل تبليغ الرسالة حتى قال صلى الله عليه واله
[مَا أُوْذِيَ نَبِيٌّ مَثْلَ مَا أُوْذِيْتُ]آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي(دام ظله)، من هدى القرآن - بيروت، چاپ: دوم، ١٤٢٩.
من هدى القرآن ؛ ج٨ ؛ ص٣٧٩
[٢]، فلا شكر أفضل من محبة أهل بيته الذين يحملون ذات الرسالة ويبلغونها للناس .. وهكذا يكون أجر الرسالة في مصلحة الناس أنفسهم، ولهذا قال ربنا سبحانه قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ: ٤٧].
ولأن البعض لم يستوعبوا هذه الحكمة تكلفوا في تفسير الآية بما لا يتناسب وسياقها، وأُثيرت تساؤلات نتوقف عند بعضها
الأول: التكلف في التفسير؛ فقالوا، لأن نبينا صلى الله عليه واله كان من أوسط قريش نسبا، وكانت له قرابة في أكثر قبائلها، فقد سألهم أن يودوه لأجل قرابته معهم، وقد نقل هذا التفسير عن ابن عباس في الحديث التالي: (إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله كَانَ وَاسِطِ النَّسَبِ فِي قُرَيْشٍ، لَيْسَ بَطَنٍ مِنْ بُطُونِهِمْ إلَّا وَقَدْ وَلَدُوْهُ فَقَالَ اللهُ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً عَلَى مَا أدْعُوكُمْ إِلَيْهِ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى تَوَدُّونِي لِقَرَابَتِي مِنْكُمْ، وَتَحْفَظُونِي بِهَا) [٣].
[١] راجع الآيات: (١٤٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤،. (١٨٠
[٢] بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ٥٥.
[٣] الدر المنثور: ج ٦، ص ٦.