من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٥ - أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه
تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وهذا تأكيد لانتمائه إلى ولاية الله في مقابل اتخاذ أولئك الأولياء من دونه، إذن فهو على عكسهم يستجيب لحكم الله، ونتساءل: لماذا يؤكد القرآن ضرورة التوكل على الرب هنا؟.
والجواب: لأن الكثير من الناس يزعمون بأنهم حينما يتنازلون للآخرين عند الاختلاف استجابة لحكم الله وأوليائه، فإنهم يعرضون أنفسهم للمخاطر، لأن الطرف الآخر عندها سوف يتصرف من موقع صاحب الحق، ويستغل انتهاء الخلاف في صالحه والإضرار بهم. إن هذا الشعور من وساوس الشيطان الذي يريد من خلالها تضخيم الاختلافات الاجتماعية، وتفتيت الأمة الواحدة، وكم من مظلوم أصبح أكثر جورا من ظالمه بسبب هذا الشعور الذي يثير في الإنسان ذاتياته السلبية!.
ولكي يقاوم الإنسان هذا الضغط يحتاج إلى قوة نفسية كبيرة حتى لا يخشى من المستقبل بتطبيق الحق، وهذه القوة يستمدها المؤمن من التوكل على الله والعودة إليه. ومن جهة أخرى إن التسليم لولاية الله يقتضي مواجهة الحكومات الظالمة، وهي بدورها بحاجة إلى استقامة عبر التوكل على الله.
[١١] ويعالج القرآن الاختلاف من زاوية أخرى حينما يذكرنا بأنه من طبيعة الحياة، التي تأبى اللون الواحد، الأمر الذي يجعل الإنسان غير قادر على صبغها كلها لمزاجه وطبيعته الخاصة، ولكنه عبثا يسعى لبلوغ هذه الغاية فترى البعض يريد التحدث لكل الناس بلغته القومية، أو أن يقلدوا عاداته، فإذا لم يستجيبوا له أبغضهم. فالرومان صاروا يسمون غيرهم بالبرابرة أي المتوحشين، واليهود عَدُّوا أنفسهم الشعب القارئ بينما عَدُّوا الآخرين أميين لا يفقهون شيئا، أما مدَّعو الحضارة الحديثة فإنهم يعتقدون بوحشية الشعوب غير الآرية. هذا من طبيعة الإنسان فهو يريد العالم كله لونا واحدا هو لون شخصيته وتطلعاته، والقرآن يؤكد هنا الاختلاف الطبيعي في الحياة، ويذكر الإنسان بعجزه عن رفع أقرب الاختلافات إليه، وهو اختلافه مع زوجه. ولكن القرآن الكريم يقرر مبدأ الاختلاف بين حقائق الخلق، وعلينا الاعتراف به، والتعرف إلى حكمة الله فيه، والسعي وراء تلك الحكمة، وحكمة الاختلاف التكامل، وليس الصراع، فلقد جعل الله البشر شعوبا وقبائل بهدف التعارف وليس التدابر والتباغض، وخلق الزوجين الذكر والأنثى ليتكاملا، ولعل هذا أبرز أمثلة الاختلافات الفطرية.
فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً وهذا في صالح الإنسان، وبيان القرآن لانشطار الأنثى من نفس الذكر، جاء لضرب الأفكار