من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
فقال
[يَخْشَعُ لَهُ القَلْبُ وتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ ويَقْتَدِي بِهِ المُؤْمِنُونَ إِنَّ الدُّنْيَا والآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الآخِرَةَ وعَادَاهَا وهُمَا بِمَنْزِلَةِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ومَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلَّمَا قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الآخَرِ وهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ] [١].
وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ الدنيا دار السعي، والآخرة دار الجزاء، وفي الدنيا لا يمكن أن تتحقق كل أماني البشر، ولا يمكن أن يرضي أحد أحدا، لأن ادعاءات ابن آدم أكبر من حجم الدنيا نفسها، وتمنياته أوسع من حياته على الأرض، فكيف تتحقق جميعا؟ بينما الآخرة دار واسعة، أكبر من طموحات البشر وتطلعاته، وهكذا تتحقق أماني المؤمنين بلا جهد أو سعي. جاء في حديث مأثور رواه الإمام الباقر عليه السلام عن رسول اللهصلى الله عليه واله
[ولَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي الجَنَّةِ إِلَّا ولَهُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ مَعْرُوشَاتٌ وغَيْرُ مَعْرُوشَاتٍ وأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ وأَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ وأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ فَإِذَا دَعَا وَلِيُّ اللهِ بِغِذَائِهِ أُتِيَ بِمَا تَشْتَهِي نَفْسُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ الغِذَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَ شَهْوَتَهُ] [٢].
[٣٢] وأعظم النعم لأهل الجنة أنهم في ضيافة الرحمن رب السماوات والأرض رب العرش العظيم .. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.
[٣٣] ومثلما الإيمان بالله ذروة الكمال وسبيل كل خير، فإن الدعوة إليه أحسن المقال، و طريق كل صلاح وإصلاح، ولأن الدعاء إلى الله خير الأعمال فقد اجتبى له الرب خير خلقه، وهم الرسل ثم الأمثل فالأمثل من عباده الصالحين. وحين يرفع الإنسان صوته بالدعوة تتساقط الأوهام التي يبثها الشيطان في روع البشر، كما تهتز الأصنام التي يصنعها في المجتمع!!.
الدعاء إلى الله يعني محاربة الجبت ومحاربة عبادة الذات، كما يعني مواجهة الطاغوت وعبادة أولي القوة والثروة. الدعاء إلى الله ينطوي على تزييف الدعوات الكاذبة إلى القومية والعنصرية والإقليمية وما إليها من ضلالات الشرك. الدعاء إلى الله يستدعي زكاة النفس ألا تسترسل مع الشهوات، ولا تستفز بهمزات الغضب الشيطانية.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ أحسن قولا: لأن محتوى قوله الدعوة إلى الغفور الرحيم. وأحسن قولا: لأن أسلوب دعوته سليم، فلأنها مجردة عن ذاته لا تتأثر بالمصالح الشخصية، أو بالظروف المتغيرة، فيختار أفضل السبل للدعوة، يتواضع للناس، ويحسن إليهم، ولا يتجبر عليهم ولا يبحث في دعوته عن شهرة أو سمعة، ولا يتأثر بعصبية. إن دعوته بذاتها
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٣٠.
[٢] الكافي: ج ٨ ص ٩٩.