من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٥ - قالتا أتينا طائعين
خلق السماء بعد الأرض، بينما النظريات العلمية ترى العكس، ويقول ربنا في سورة النازعات ءأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: ٢٧- ٣١].
أجاب البعض: إن ثم للتعقيب البياني، أي ثم اسمع قصة السماء وهي كيت وكيت.
وقال البعض: إن الله خلق الأرض أولا وخلق السماء ثانيا، ولكنه إنما دحا الأرض بعد خلق السماء، كما تدل الآية في سورة النازعات، وعلى ذلك تدل أيضا بعض النصوص الإسلامية.
ويبدو لي أن المراد من السَّمَاءُ هنا الهواء المحيط بالكوكب وليست الأجرام الموجودة في السماء .. وَهِيَ دُخَانٌ ذات طبقات سبع، ولكل طبقة أمرها، وعلى ذلك فيكون خلقها بعد خلق الأرض، ويكون معنى قوله سبحانه في الآية التالية وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً أن الله جعل السواد المحيط بالكرة الأرضية بطريقة نرى النجوم التي خلقها في صورة مصابيح، كما جعلها حفظا بما خلق فيها من غازات خاصة.
باء: وتساءلوا: ماذا يعني اسْتَوَى فقالوا: إن ربنا قصد وتوجه إلى السماء، ويبدو لي أن كلمة الاستواء تعني معنى القيام والاهتمام والقصد (بإضافة معنى إلى) والهيمنة، وكلها مرادة في هذه الجملة، ولكن بالطبع من ملاحظة استخدام الكلمة في مقام الربوبية المقدس عن أية همهمة أو تجوال فكرة أو حركة، سبحانه.
جيم: ثم تساءلوا عن الدخان فقالوا: إنه غازات، وإذا قلنا بأن المراد من الآية كل ما في السماء، فإن الآية تشير إلى المرحلة السديمية السابقة لتكون الأجرام الفضائية، حيث تجمعت وتركزت بعد ذلك في صورة نجوم، ولا تزال كميات كبيرة منها منتشرة في الفضاء يقدرها الخبراء بمثل الكمية التي خلقت منها النجوم، ولا تزال النجوم تكنس الفضاء من هذه الجزيئات السديمية باجتذابها إليها، ولكنها أكثر بكثير من قدرتها على الجذب!.
فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ولماذا لا تستجيب السماء والأرض لمشيئة الله الذي خلقهما بفضله، وأودع فيهما آياته، وجعلهما محلا لعبادة المكرمين من ملائكته وأرواح أوليائه، بلى؛ إنهما وسائر الكائنات تستجيب للرب طواعية، سعيا وراء مرضاته، وامتنانا لرحماته، وشكرا لبركاته، قبل أن تستجيب له خشية غضبه، ومخافة سطواته، وقد يقول: تجلي رحمة الله في الخلائق أبهى من تجلي عزته، وقد سبقت رحمته غضبه، سبحان الله رب العالمين.