من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٦ - قالتا أتينا طائعين
ولعل الآية تشير إلى أن ربنا كان يجري سننه في الخليقة شاءت أم رفضت، ولكنها خشعت لأوامر الله طوعا لا كرها!! فجرت سننه فيها بلا إكراه .. ويا ليتنا وعينا عبرة هذه الحقيقة، وأجرينا أحكام الله على أنفسنا طوعا ورغبة في مرضاة الله.
ونتساءل: هل كان للسماء والأرض شعور حتى يخاطبهما الرب بهذه الصورة؟ ينفي البعض ذلك بشدة، ويؤولون كل الآيات التي توحي بذلك إلى خطاب الحال، مثلا في هذه الآية يقولون: المعنى: أمرهما بالتشكل فامتثلتا طائعتين، ويبقى سؤال: ماذا كان إذا الخيار الآخر أي أن تأتيا كرها؟ أفلا يدل التقسيم إلى اختلاف طرفيه، فهناك حركة طوعية وأخرى كرهية، لم أجد من يجيب عن هذا النقاش، ولكن باب التأويل لديهم واسع، بيد أن الأقرب حمل الآيات التي توحي بإحساس الخلائق على ظاهرها أو صريحها، لأن ما يدعونا إلى تأويلها مجرد استبعاد، فلأننا لا نعرف كيف تم خطاب الله للأرض والسماء نقول لم يتم هذا الخطاب أبدا، وأما ذلك أسلوب بلاغي في القرآن، ولأننا لا نفهم كيف تسبح السماوات والأرض، نقول: إن أهلها هم الذين يسبحون، ولأننا لا نعي كيف عرض الله أمانته على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، قلنا كلا .. إنه كان مجرد افتراض.
إن عشرات الآيات القرآنية وأضعافا منها من الأحاديث المأثورة عن المعصومين عليهم السلام ظاهرة أو صريحة في وجود الشعور- بقدر ما- لسائر الخليقة، يتجلى في يوم القيامة عندما يستنطقها الله، فهل يجوز أن نضرب بها عرض الجدار لمجرد أننا لا نعرف كيف ذلك؟ إن من الجهل أن ننكر شيئا لأننا لم نحط علما بتفاصيله، ومن العقل أن نؤمن به ثم نبحث عن تفاصيله بروح إيجابية.
بلى، إننا كبشر لا يمكننا بالوسائل المتاحة لنا- الآن- أن ندرس الأحياء والأشياء من باطنها، بل من خلال الظواهر التي تهدينا إلى واقعها وحتى فيما بيننا كبشر هل يستطيع زيد أن يدرس نفسية عمرو كما يدرس هو نفسيته؟ كلا .. إنما الظواهر تدل عليها، وإذا اتبعنا هذا المنهج لعلنا نبلغ الواقع .. فما هو الشعور؟ وما هي الظواهر التي تدل عليه؟ يبدو أن الشعور هو الجهاز المنسق بين الشيء والمحيط الذي هو فيه، فنحن نملك هذا الجهاز بفضل الحواس التي تنقل إلى المخ الإشارة عبر الأعصاب، وهناك تقوم مجموعة أجهزة الدماغ بتحليل الإشارات وإصدار الأوامر المناسبة بشأنها، ولا ريب من وجود مثل هذا الجهاز- ولو كان غير متطور- عند سائر الأحياء، بل وفي النباتات التي تنسق وضعها- بصورة و بأخرى- مع بيئتها بفضل نواتها المركزية، بلى، نحن لم نكتشف مثل هذا الجهاز عند الجمادات، ولكن يحق لنا أن نتساءل عنه بعد علمنا بوجود قدر كاف من التنسيق بين جميع الكائنات، ولو افترضنا قوة الجاذبية