من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٢ - فاستقيموا إليه واستغفروه
بحجاب، ثم تحدوا الرسول صلى الله عليه واله بأنهم عاملون حسب أفكارهم فليعمل حسب أدائه لينظروا لمن العاقبة. هكذا ذكر السياق في فاتحة السورة بالمنهج الحق للانتفاع بالقرآن، وهو منهج التسليم لا الإعراض والتحدي.
ثانياً: تجرد الرسل عما يتصل بذاتهم من أجل الرسالة شاهد صدق عليها، فهم يدعون إلى الله وحده؛ لا إلى أنفسهم أو قوميتهم أو إقليمهم أو ما أشبه، ويأمرون بالاستقامة في طريقه، ويعدون بالرحمة عبر الاستغفار، وينذرون المشركين؛ الذين يعبدون الطاغوت أو سائر الأنداد بالويل والثبور. والمشركون هم الذين يمنعون الزكاة ويكفرون بالآخرة، وبإزاء هذا الإنذار تأتي البشارة للذين آمنوا وعملوا الصالحات بأن لهم أجرا لا ينقطع. وهكذا تتجلى صفات القرآن ودعوته في هذه الكلمات البليغة.
بينات من الآيات
بنور الله الذي يرشه على الأشياء فيجعلها مخلوقات مدبرات بأمره، بنور الله الذي يفيضه على الإنسان فيجعله خليفته في أرضه، ويمنحه به العقل والهدى والمعرفة والمشيئة، وبنوره الذي يوحيه إلى أنبيائه فيجعلهم السرج المنيرة في ديجور الحياة .. بذلك الاسم العظيم والنور الباهر يبتدئ الوحي رسالته، وبه نتلو تلك الرسالة.
بسم الله الرحمن الرحيم
[١] حم مرة أخرى تستقبل أفئدتنا هذه الكلمات المتقطعة التي تستثير عقولنا، فهل هي أسماء للسورة التي تبدأ بها؟ أم هي إشارات إلى ذات القرآن وهي بمثابة هذه الأحرف أو هذه الكلمات أو هي رموز بين الله والراسخين في العلم من عباده؟ كل ذلك محتمل، ولا ضير في أن يكون كل ذلك مراد القرآن، لأن للقرآن تخوما وعلى تخومه تخوم، ويبدو أن كلمة حم مبتدأ أسند إليها قوله تعالى تَنزِيلٌ، فيكون المعنى: هذا تنزيل من الله.
[٢] تتجلى في كتاب الله الرحمة الإلهية التي تتجلى في خلقه، تلك الرحمة التي تتسم بالشمول والاستمرار. تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هل استطاع العادُّون إحصاء رحمات الله؟ كلا .. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، فهو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء وأحاطت بكل شيء، ورحماته مستمرة منذ أن خلقنا من تراب، ثم من نطفة، والى أن يوارينا الثرى، وهي تستمر بالنسبة إلى المؤمنين إلى الجنة. أفلا ينبغي أن نسارع إلى هذا الكتاب الذي أنزل من عند ذلكم الرب الرحمن الرحيم؟ بلى؛ أولسنا بشرا وقد أودع الله فينا