من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦ - وقفوهم إنهم مسؤولون
الأول لرسالات الله. إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ فهم ليسوا على الخطأ وحسب، إنما ويتصورون أنفسهم على الحق، ولو جاءهم من يُبيَّن خطأهم رفضوه، وأخذتهم العزة بالإثم، وهذه من العقد النفسية الخطيرة التي ينبغي للإنسان اجتنابها، ذلك أن المقياس في الإيمان بالله هو التسليم للحق في كل الأحوال متى تبيَّن، ولو خالف العرف الاجتماعي أو اعتقادات الفرد وسيرته السابقة. ولا شك أن اعتراف الإنسان الفرد أو الأمة بخطئه الذي قد يستتبع التغيير الجذري في الحياة أمر صعب جدا، ولكنه يأخذ به إلى العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، ومن أمثلة هذه الحقيقة على صعيد الأمم قوم يونس عليه السلام الذين قال الله عنهم فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: ٩٨].
ومن أمثلتها على صعيد الأشخاص التي تبين صعوبة الأمر نذكر هذه القصة المؤثرة من التاريخ، ففي بحار الأنوار: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ كَانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ كُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ عليه السلام فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سَلَّمَ وجَلَسَ ثُمَّ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كُنْتُ فِي دِيوَانِ هَؤُلَاءِ القَوْمِ فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالًا كَثِيراً، وأَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ عليه السلام
لَوْ لَا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ ويَجْبِي لَهُمُ الفَيْءَ ويُقَاتِلُ عَنْهُمْ ويَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا ولَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ ومَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إِلَّا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَ فَقَالَ الفَتَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ لِي مَخْرَجٌ مِنْهُ؟ قَالَ عليه السلام
إِنْ قُلْتُ لَكَ تَفْعَلُ؟
قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ عليه السلام لَهُ
فَاخْرُجْ مِنْ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبْتَ فِي دِيوَانِهِمْ فَمَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ رَدَدْتَ عَلَيْهِ مَالَهُ ومَنْ لَمْ تَعْرِفْ تَصَدَّقْتَ بِهِ وأَنَا أَضْمَنُ لَكَ عَلَى اللهِ عَزَّ وجَلَّ الجَنَّةَ.
قَالَ فَأَطْرَقَ الفَتَى رَأْسَهُ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ!. قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ: فَرَجَعَ الفَتَى مَعَنَا إِلَى الكُوفَةِ فَمَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ إِلَّا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ قَالَ فَقَسَمْتُ لَهُ قِسْمَةً واشْتَرَيْنَا لَهُ ثِيَاباً وبَعَثْنَا إِلَيْهِ بِنَفَقَةٍ) [١]
[٣٦] ولأن العمل بمضامين التوحيد صعب هكذا، نجد الكثير من الناس يستكبرون ولا يستمعون للموعظة، وتأخذهم العزة بالإثم، بل يتهمون صاحب الرسالة بأرخص التهم، كما قالوا للأنبياء أنهم شعراء (ونفوا بذلك منهم الحكمة والاهتداء) ثم قالوا إنهم مجانين، كما إنهم اتهموا الرسل بحب الرئاسة، وإن دعوتهم إلى الله ليست سوى وسيلة للتآمر عليهم. وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ. وهكذا يجب أن يعرف الرساليون صعوبة الإصلاح الحقيقي المتمثل في التوحيد، ويتفهموا العقبات التي تعترضهم في الوصول إليه، حتى لا يصيبهم
[١] بحارالأنوار: ج ٧٢، ص ٣٧٥.