من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٠ - فاصبر إن وعد الله حق
يبدو لي أنه نزعة الألوهية في النفس، حيث يزعم الإنسان أنه قادر على بلوغ درجة الألوهية بإمكاناته المحدودة، وبعمره القصير .. ولعل سائر الخصال الذميمة تنبع من هذا الإحساس الخاطئ، وبالرغم من أن الإنسان لن يحقق هذه الرغبة فإنه يتعب نفسه من أجلها حتى يكون من الهالكين، وأبرز مثل لهذه النزعة الفراعنة والطغاة الذين ينازعون الله رداء العظمة، وإنما أثار إبليس هذه النزعة في نفس آدم أبي البشر حين أطمعه في الخلود والملك الدائم.
وكفار قريش وكل الكفار في التاريخ والحاضر يتبعون هذه النزعة حين يرفضون التسليم للحق، لأن تسليمهم للحق يفرض عليهم التسليم لقيمه وشرائعه، ولمن يمثل تلك القيم وينفذ الشرائع من القيادات الإلهية. وإن العلم- أي علم- يفرض على صاحبه مسؤولية ولذلك فهو صعب مستصعب، لأن احتمال المسؤولية أمر عظيم، لذلك ترفض النفس البشرية الانفتاح أمام حقائق العلم إلا بصعوبة بالغة. ولكي نتخلص من جذر الفساد في النفس وهو هذا الكبر، علينا أن نستعيذ بالله، لأن الشيطان غوي مضل مبين، وهو يتقن أساليب المكر والخداع، ويعرف من أين يدخل في قلب هذا البشر الساذج، ولولا الاستعاذة بالله تضعف النفس أمام وساوسه وأمانيه. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فهو يسمع أقوال المتكبرين والمجادلين ويبصر أعمالهم، كما يسمع همسات المناجين ربهم المستعيذين من مكر الشيطان ويبصر أعمالهم.
ونتساءل: كيف نستعيذ بالله؟.
أولًا: بالدعاء والمناجاة. والملاحظ أن المؤمن قد تهجم عليه أمواج البلاء أو صنوف الإغراء فيتردد قليلا في الأمر، ولكنه بمجرد أن يدعو الله حتى يعطيه القوة الكافية لمقاومة الشيطان.
ثانياً: بمعرفة الله والتقرب إليه بذكره وتسبيحه والثقة بنصره.
[٥٧] ومن الوسائل الناجحة لمحاربة كبر النفس النظر في عظيم خلق الله وقيامه بذاته، فهل أنا المتكبر أكبر أم الجبال أم الأرض أم الشمس والقمر؟! وأساسا: من أنا بالقياس إلى هذا الخلق العظيم؟! لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ تعالوا لننظر إلى ملكوت السماوات والأرض، لنتعرف إلى الحجم الحقيقي لأنفسنا، أنا واحد من مليارات البشر يمشون اليوم فوق كوكبنا، والإنسان واحد من ألوف الأحياء، والأحياء نوع من عشرات الأجناس غير الحية، ثم كل ما في الأرض لا تحتل إلا مساحة محدودة منها، ثم إني لا أعيش عليها إلا سنين معدودات، لو قيست بالملايين من سني عمر الأرض لكانت كلحظة خاطفة.