من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - فاصبر إن وعد الله حق
والتجلي الأعظم لحقيقة رسالات الله لا يكون إلا عند قيام الساعة، ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء، وستبقى فيها فرصة الإنكار أو الجدل لمن حقت عليه كلمة الضلال، فحتى عصا موسى التي ابتلعت حبال السحرة لم تفحم فرعون الجاحد بل قال للسحرة إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ [طه: ٧١]، وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: ٥٤]. وهكذا ذكرتنا الآية هنا: أن النصر الشامل للرسل يكون عند انتهاء وقت الامتحان وحلول ساعة الجزاء. وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ هنالك الولاية لله والشهادة لأوليائه، حيث يرى الناس المقام الكريم والمقام المحمود للرسل والمؤمنين حيث يقومون بالشهادة لهذا فيدخل الجنة وعلى هذا فيدخله الله النار.
[٥٢] أما الظالمون فهم الخاسرون إذ لا تنفعهم الأعذار التي عادة يبررون بها ظلمهم في الدنيا، كما أنهم يلاحقون بلعنة الله والطرد عن بركاته ورحماته، كما أن مستقرهم الأخير يكون النار. يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
[٥٣] لقد نصر الله المؤمنين من بني إسرائيل عندما هيأ لهم قائدا كريما كموسى بن عمران، وزوده بالتوراة، فيها هدى يحتوي على جملة القيم والتعاليم المباركة، وفيها ذكرى ومواعظ لمن شاء أن يزداد قربا من ربه ووصولا إلى الحقائق التي هي اللباب والجوهر. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ويبدو أن الوراثة هنا توحي إلى أمرين
الأول: أن الكتاب أعظم رأسمال وأكبر مجد، وكان بمثابة المحور الثابت الذي تدور حوله فاعليات الأمة.
الثاني: أن الكتاب ظل بينهم يرثه الجيل بعد الجيل بينما رحل عنهم قائدهم موسى عليه السلام.
[٥٤] ولم يكن وجود الكتاب بين بني إسرائيل بذاته مفخرة لهم بل الاهتداء به والتذكر بآياته وهذا كان خاصا بأولي الألباب. هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ.
[٥٥] ماذا ينبغي أن يقوم به الرسل والمؤمنون تمهيدا لنصر الله، بل وثمنا مدفوعا سلفا لهذه النعمة الكبرى؟.
أولًا: لابد من الصبر، الذي يعني- بمعناه الشامل- الصبر في تنفيذ الأوامر، والصبر عند الشدائد، وبكلمة: السعي والاجتهاد الآن انتظارا للنتائج المستقبلية، فمن كان عجولا، وكان يفتش عن نتائج سريعة، فإنه لن يبلغ مناه .. ورأسمال الصبر الإيمان بوعد الله، وأنه حق لا ريب فيه. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ.