من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - فاصبر إن وعد الله حق
ثانياً: الاستغفار الذي يسقط سدود الذنوب التي تمنع النصر الإلهي، ويهيئ أرضية الفتح، ويوجه الإنسان إلى نواقصه الذاتية لكي يصلحها وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
ثالثاً: التقرب إلى الله بالمزيد من التسبيح والتقديس لمقام ربنا الكريم، حتى لا نظن بربنا ظن السوء فيوسوس الشيطان في قلوبنا الشكوك حول وعده أو نفقد خلال المسيرة شيئا من عزمنا في تأييد دينه.
رابعاً: التقرب إلى الله بحمده عشيًّا وبكوراً، ذلك أن حمد الله يجعلنا نتبصر النعم التي أسبغها علينا فتمنع عنا القنوط والنظرة التشاؤمية وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ إن حمد الله يؤدي إلى تسبيحه، فمن عرف أن ما تصيبنا من حسنة فمن عنده وما تصيبنا من سيئة فمن عند أنفسنا نزَّه ربه من النقص ونسبة السيئات إليه سبحانه. ولعل هذا أحد معاني الباء في قوله بِحَمْدِ رَبِّكَ فيكون الحمد وسيلة التقديس لربنا العظيم، وهو أقرب من أن نجعل معنى الباء مجرد المعية ليكون المفهوم سبح واحمد ربك.
[٥٦] ولا بد أن نسلم لرب العالمين، ومعنى التسليم له الإيمان بآياته والاحتراز من الجدل فيها، فمن يجادل فيها انطلاقا من أهوائه وبغير سلطان مبين وحجة واضحة من عقله فقد استحوذ عليه الشيطان، وأثار في نفسه الكبر الذي انطوت عليه حيث نازعت رب العزة رداء الألوهية فأخزاه الله ولعنه وأبعده عن تحقيق مناه. إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ المجادل في آيات الله يغلق منافذ قلبه عن النور. أوليست آيات الله في الطبيعة وآياته في الكتاب تجليات لظهوره وأمواج نوره، فمن نظر إليها نظرة ذاتية دون أن يجعلها وسيلة لبلوغ غيرها أصيب بالعمى. أرأيتم الذي ينظر إلى المرآة ليعرف طولها وعرضها، ولا يمكن أن ينظر إلى صورته فيها، أورأيت الذي يلاحظ في علامات السير طبيعة خطها وطريقة صنعها، لا ينتفع بإشاراتها، كذلك عالم الطبيعة الذي يركز نظره في خصائص المادة دون أن يجعلها معبرا إلى أسماء الله.
ومن الناس من عقد عزمه على ألا يعرف الحقيقة، لأن الحقيقة تخالف ما انطوت عليه نفسه من الكبر، بل إن مجرد التسليم لها يتنافى وحالة الكبر التي في قلبه. بلى، إنما يجوز الجدال في آيات الله إذا كان يملك الإنسان الحجة الكافية من الله، حينئذ يمكن تفسير آية أو تأويلها انطلاقا من تلك الحجة، وأخذا بمبدأ النسخ في الآيات كما قال ربنا مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة [البقرة: ١٠٦]. أما من لا يملك حجة وسلطانا، فلا يجوز له إلا التسليم بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ويبدو أن المراد منه الوحي إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ما هو ذا الكبر الذي لا يبلغوه؟ هل هو مطلق الكبر وحب الذات، وهو النفس؟ أم إنه أكبر من ذلك؟