من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤ - وقفوهم إنهم مسؤولون
الاعتقادات الباطلة بإيمانه، ويقاوم الأفكار التبريرية والثقافية السلبية بثقافته الرسالية، ويرفض الانتماء لحزب الشيطان وقيادة الطاغوت بانتمائه لحزب الله والقيادة الرسالية، فيجد قوة مادية- إلى جانب قوته المعنوية- لمواجهة ضغوط المستكبرين.
الثاني: نفى المستكبرون أن تكون لهم سلطة لا تقهر على المستضعفين من أتباعهم وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إن ما يكمل مسيرة الطغاة هو قابلية الاستغلال الموجودة عند الناس، فالطاغوت هو عامل خارجي للظلم والانحراف، أما العامل الأساسي فيكمن في الواقع السلبي السائد في المجتمع، كالخوف، والجهل، و التفرق، والظلم الاجتماعي، أما الله فإنه لم يفرض سيطرة أحد من الناس بصورة تكوينية أبدا.
الثالث: المجتمع الذي يظلم بعضه بعضا، فيأكل قويه حقوق ضعيفه، ويستغل الغني الفقير، ويبتز تجاره المستهلكين فيه، يكون تربة مناسبة لنمو الأنظمة الجائرة فيه، لأن المجتمع الذي يقوم أساسا على الظلم لا يسلم فيه أحد منه، بل سوف يتصاعد الظلم فيه حتى يبلغ قمته المتمثلة في النظام السياسي فيُولِّى أعتى الظلمة أموره، ويكون مصداقا للآية الكريمة وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩].
إن النظام السياسي هو الجانب البارز من العملة بينما جانبها الآخر هو الفكر والسلوك، والعادات والأعراف الاجتماعية. والطاغوت يشعر- بدوره- أنه قائم بسلبية مجتمعه، ولهذا يقوم بتعميقها ونشرها. بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ وتفسر هذه الآية تفسيرا عميقا الحكمة المعروفة (كما تكونون يولى عليكم)، وربما لذلك حذر أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته المعروفة قائلا
(لَا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ) [١].
[٣١] وهنالك لا يجد الظالمون بدا من الاعتراف باستحقاق العذاب، وهذا هو معنى المسؤولية في قول الله وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ فالتبرير في الدنيا لا ينفع الإنسان في الآخرة إنما يورده النار. فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ لقد سبقت كلمة ربنا على المستكبرين بالغواية والضلالة، والعذاب بالنار، ولا يمكن لمن يتحدى رسالات ربه الاهتداء إلى الحق، لأن المصدر الوحيد لنور الهداية فضل الله، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
[٣٢] ثم بيَّن المستكبرون أنهم بدورهم كانوا غاوين، وأن اتباع المستضعفين لهم كان يؤدي بهم للمزيد من الغواية. وهكذا يتحمل المستضعفون كامل المسؤولية عن ضلالتهم لأنهم
[١] نهج البلاغة: وصية ٤٧:.