من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٧ - قل لله الشفاعة جميعا
عالج حالة الشرك بهم، بينما السياق هنا- فيما يبدو- ينفي قيمة الثروة فإنه عالج عبادة الذات والزعم بأن ما حصل عليه من النعم كانت بعلمه. وتذكرنا الآية بما قاله قارون إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: ٧٦- ٧٨].
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لماذا قال ربنا أولا نِعْمَةً وهي صيغة مؤنث حيث استخدم ضمير المذكر ثم عاد إلى صيغة المؤنث؟.
لعل الجواب: أن الأصل في السياق استخدام صيغة المؤنث وإنما انصرف عنه في قوله أُوتِيتُهُ، لبيان أن الله إنما خوِّله شيئا من النعمة ذلك أن الإنسان يتصور أنه حاز على النعمة جميعا بينما لم يخوِّله الله إلا شيئا بسيطا منها، فإذا هو بهذا القليل يطغى فكيف بكل النعم. ويشير السياق إلى أنه ينبغي ألا يرى الإنسان أن النعمة خير له .. بل قد تكون فتنة وابتلاء، بل قد تكون استدراجا من الله له، ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام
(يَا ابْنَ آدَمَ إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ يُتَابِعُ عَلَيْكَ نِعَمَهُ وأَنْتَ تَعْصِيهِ فَاحْذَرْهُ)
[١]. وقال عليه السلام
(كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ ومَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ ومَفْتُونٍ بِحُسْنِ القَوْلِ فِيهِ ومَا ابْتَلَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَداً بِمِثْلِ الإِمْلَاءِ لَهُ) [٢].
وأمرنا الإسلام بأن نكون على حذر شديد من النعم لكي لا تَغرَّنا، قال أمير المؤمنين عليه السلام
(أَيُّهَا النَّاسُ لِيَرَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ النِّقْمَةِ فَرِقِينَ إِنَّهُ مَنْ وُسِّعَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجاً فَقَدْ أَمِنَ مَخُوفاً ومَنْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ يَدِهِ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ اخْتِبَاراً فَقَدْ ضَيَّعَ مَأْمُولًا)
[٣]. بل يجب أن يكون خوف الإنسان من الغنى أشد من خوفه من الفقر، ومن الصحة أِشد من خوفه من المرض، فقد وضع الله سبحانه الحرج عن المريض، ولم يكلف الله نفسا إلا بما آتاها بينما صاحب العافية والثروة تلزمه مجموعة كبيرة من الحقوق لو قصر فيها استحق العذاب، وفي الحديث
(لَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يكُونَ الفَقرُ أَحَبَّ إِليهِ مِنَ الغِنَى، وَالمَرَضُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِنَ الصِّحَةِ (العَافِيَةِ)) [٤].
[٥٠] وفي التأريخ عبرة فلقد أهلك الله من القرون من كان يملك الثروات الطائلة،
[١] نهج البلاغة: حكمة: ٢٥.
[٢] نهج البلاغة: حكمة ١١٦.
[٣] نهج البلاغة: حكمة ٣٥٨.
[٤] الدر المنثور للسيوطي: ج ٤ ص ١١٦ عن ابن مسعود قريب من المعنى.