من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٣ - الله نزل أحسن الحديث
يفصح القرآن عن الحقائق بصورة مباشرة.
قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وهذا هدف القرآن، أنه يريد منا أن نتقي الله ونخافه، ونعمل بمضمون التقوى من إصلاح دنيانا و أخرانا.
[٢٩] ومن أمثلة القرآن التي تقرب إلى أذهاننا قبح الشركاء اشتراك مجموعة في امتلاك شخص. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ هل يستوي عبد يملكه أكثر من مالك وعبد يملكه رجل واحد؟! كلا .. لأن في الأول كل مالك يريد أن يُجيَّره لحسابه على حساب الآخرين، وقد بين الباري ذلك في قوله وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ص: ٢٤]. وقال تعالى لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: ٢٢]. وقال تعالى عن استحالة الأشباه والأعضاد مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩١].
وهناك مثال من واقعنا: حيث تعيش بعض الدول المستضعفة في إطار ولاءات مختلفة فتتصارع عليها قوى الشرق والغرب، وقد يجري الصراع على أراضيها وبأيديها، ويكون بالتالي الغرم لها والمكاسب للأسياد. وليست الآلهة التي تعبد من دون الله سوى رموز للقوى السياسية والاجتماعية التي تتصارع على استعباد البشر فتجر إليه الويلات، وما يخلصنا سوى التحرر من عبادتها والتمرد على سلطانها للنجاة من مشاكساتها وحروبها التي تطحننا اليوم طحنا.
وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا كلا .. إن الرجل الذي يقوده شخص واحد باسم الله ولا تتداخل فيه شهوات الآخرين ولا ضغوطهم ولا مصالحهم يعيش دائما في حرية مستقيما في طريق واحد، وتعصف به الاختلافات، ولا تتحكم فيه الفوضى، ولا يواجه مشكلة تعدد الولاءات، إنه لا يخاف الصراعات ولا تنافس القوى عليه، إنه يعيش بعيدا عن أهواء الشياطين وأطماع الحكام. جاء في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال
(أَنَا السَّلَمُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه واله يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَل
وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ) [١].
الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فلا يفرقون بين الذي يوحد الله ويخضع فقط لأوليائه ومن تستعبده قوى السلطة والثروة. وهكذا ضرب الله لنا مثلا للتوحيد من واقع الحياة الاجتماعية والسياسية، وميَّز بين نمطين من الحياة، حياة الاستقلال وحياة العبودية، وذلك تكميلا لبيان المفارقات في سورة الزمر.
[١] بحار الأنوار: ج ٢٤ ص ١٦٣.