من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٢ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
بالسجود له عليه السلام. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وقد اتصل الأمر بالسجود بحالة التسوية ونفخ الروح عند البشر، وهي حسب الظاهر كمال الخلق مما يوحي بأن سجود الملائكة (الذي يدل- ضمنا- على تسخير الطبيعة الموكل بها ملائكة الله) [١] يتعلق بكمال الإنسان، فكلما رقى البشر معارج العلم والإرادة والإيمان والتقوى سخرت له الخليقة أكثر فأكثر. أرأيت كيف سخر الله لداود الجبال والطير ولسليمان الريح؟ ويوحي نفخ الروح من الله في الإنسان وقبل السجود له تخصص البشر بميزات لا توجد في سائر الأحياء، ويبدو أن الروح هنا هي العقل الذي قال عنه ربنا سبحانه في آية أخرى وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥].
فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ وهكذا أسس ربنا في حياة البشر مبدأ السجود لله عبر الخضوع والتسليم لخلفائه في الأرض، وهؤلاء الملائكة وهم من أعز خلق الله أسجدهم لمن نفخ فيه من روحه وجعله خليفته في الأرض.
[٧٣] وحيث أمر الله بالسجود لآدم استجاب جميع الملائكة إيمانا منهم بوجوب التسليم المطلق له- عز وجل- وأن أي اجتهاد أو قياس مقابل أمره باطل ولا يرفع المسؤولية عن صاحبه. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ وكان يكفي أن تنتهي الآية إلى هذا الحد لتبين المطلوب، ولكن ربنا أضاف تأكيدا لذلك قائلا أَجْمَعُونَ وإنما كانت عظمة الملائكة بخضوعهم لله ولمن أمر الله بالخضوع له.
[٧٤] ثم استثنى ربنا من الساجدين إبليس الذي استكبر واستبدت به العزة والكبرياء، وهو استثناء منقطع، فشق عصا الطاعة. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ لقد كان إبليس يسجد لله سجدات طويلة لعل بعضها يمتد أربعة آلاف عام، وقد اقترح على الله بأن يسجد له سجدة مطولة بدل سجوده لحظات لآدم، فرفض طلبه. لماذا هذا الاقتراح؟ ولماذا الرفض؟
أولًا: السجود لآدم بأمر الله- ذلك الطين اللازب الذي يحتقره إبليس- هو معيار الخضوع لله وليس مجرد الوقوع على الأرض باسم السجود لله، ولعل صاحبه يكرس ذاتياته بذلك، وإنما يفعل ما يفعل رياء، ولا يزيده إلا عجبا. وهكذا نحن البشر لا تنفعنا عامة الصلاة والصيام إن لم نسلم لمن أمر الله بالتسليم له من خلفائه في الأرض، وهكذا كانت الولاية سنام الدين، وعمود الشريعة، وأعظم ما في ميزان العبد يوم القيامة لأنها في الحقيقة هي التوحيد
[١] راجع تفسير سورة البقرة آية: ٣٤.