من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ واحتمل أن يكون المراد من الآخر: الفوج الآخر، وهم أزواج ومشابهون للفوج الأول، ويكون ذلك تمهيدا للحديث التالي عنهم، وهذا يتشابه وما ذكرناه في تفسير قوله تعالى احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات: ٢٢].
والاقتحام هو الدخول في الشيء بشدة كالمسمار الذي لا مكان له في الحائط فتدخله المطرقة قسرا، ولأن الطغاة يتعذبون من ضيق المكان، وأن النار تضيق عليهم كضيق الزج بالريح [١] كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه واله فإنهم ينادون بهم، لهذا وعلى خلاف ما يقوله صاحب البيت لضيفه فإنهم يقولون لا مَرْحَباً بِهِمْ أي لا مكان يسعهم، ولا نفس تقبل بحلولهم، والرحب هو المكان الوسيع، فكأنهم أرادوا القول: بأن المكان ضيق ويضيق أكثر بهم، وعللوا لعنهم وسبهم لهم بأنهم أهل جهنم، وهل يرحب بمن سيصلى نارا؟!
إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ وهذا ما يؤكده ربنا بقوله تعالى كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف: ٣٨].
[٦٠] ويبدأ حينئذ الصراع العنيف بين الطرفين، الذي ينتهي إلى التخاصم والتقاتل، وفي البين يلقي البعض المسؤولية على البعض الآخر. قَالُوا الأتباع وهم يردون على كلام الطغاة، حيث تتحول التحية وأعراف الاستقبال إلى سباب بينهم. بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ لأنكم السبب ومنكم الأذى والعذاب، ويواصل التابعون شجارهم مع الطغاة وهم يحاولون تبرير موقفهم، والتهرب من المسؤولية. أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا إذ أغريتمونا باتباعكم، وظللتمونا بمختلف الوسائل حتى صرنا إلى هذا العذاب. فَبِئْسَ الْقَرَارُ أي ساء المكان الذي نستقر ونثبت فيه، ويقال: فلان قرر أن يفعل كذا إذا ثبت فكره على رأي معين فهو غير متردد، بل حاسم وقاطع في أمره. وهذه الكلمة تدل على الخلود في النار، وحين يكون المنزل الأخير سيئا فساء مصيرا.
[٦١] ويطلب التابعون من الله أن يزيد العذاب على الطغاة، جزاء لهم على جرائمهم التي مارسوها بأنفسهم، وعلى المعاصي التي مارسها التابعون بضغوطهم وتضليلهم. قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ.
[٦٢] ثم يلتفتون إلى بعضهم ويتساءلون: لماذا لا نجد فلانا وفلانا- يقصدون بعض المؤمنين- في النار؟! وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ وهناك تنكشف لهم أخطاؤهم، ففي البدء اكتشفوا أن القيادة التي اتبعوها كانت منحرفة، والآن تبين لهم أيضا
[١] نور الثقلين: ج ٤ ص ٤٦٧ والزج: كما يبدو هو القربة.