الشفاء - الطبيعيات - ابن سينا - الصفحة ٣٦
مثل اليقظة، و بعضها أقرب إلى المادة مثل النوم. و الأعراض اللاحقة من جهة المادة قد تبقى [١] بعد الصورة كأنداب القروح و سواد الحبشى إذا مات. فالطبيعة الحقيقية هى التي أومأنا إليها [٢]، و الفرق بين الصورة و بينها ما أشرنا إليه، و الفرق بين الحركة و بينها أظهر بكثير، لكن لفظ الطبيعة قد يستعمل على معان كثيرة أحق [٣] ما يذكر منها هو ثلاثة منها فيقال طبيعة للمبدإ الذي ذكرناه [٤]، و يقال طبيعة لما يتقوم به جوهر كل شيء، و يقال طبيعة لذات كل شيء. و إذا أريد بالطبيعة ما يتقوم [٥] به جوهر كل شيء حق أن يختلف فيها بحسب اختلاف المذاهب و الآراء. فمن رأى أن يجعل الجزء الأحق [٦] من كل جوهر بأن يقومه هو عنصره و هيولاه، قال:
إن طبيعة كل [٧] شيء عنصره و من رأى أن يجعل الصورة أحرى بذلك، جعلها طبيعة الشيء. و عسى أن يكون فى أهل البحث قوم ظنوا أن الحركة هى المبدأ الأول لإفادة الجواهر قواماتها، فجعلوها طبيعة كل شيء، و من جعل طبيعة كل شيء صورته جعلها في البسائط ماهيتها البسيطة و في المركبات المزاج. و ستعلم بعد [٨] أن المزاج ما هو و نرشدك الآن إليه يسيرا، فنقول.
إن المزاج هو كيفية تحصل [٩] من تفاعل كيفيات متضادة في أجسام متجاورة، و قد كان الأقدمون من الأوائل شديدى الشغف بتفضيل المادة و القول بها و تصيرها طبيعة، و منهم أنطيقون [١٠] الذي يذكره المعلم الأول و يحكى عنه أنه أصر على أن المادة هى الطبيعة، و أنها هى المقومة للجواهر [١١]، و يقول لو كانت الصورة هى الطبيعة في الشيء لكان السرير إذا عفن و صار بحيث يفرع غصنا و ينبته فرع سرير، أو ليس كذلك، بل يرجع إلى طبيعة الخشبية [١٢] فينبت [١٣] خشبا. كأن هذا الرجل رأى أن الطبيعة هى المادة، و لا كل مادة، بل المحفوظ ذاتها في كل تغير، و كأنه لم يفرق بين الصورة الصناعية و بين الطبيعية [١٤]، بل لم يفرق بين العارض و بين الصورة و لم يعرف أن مقوم [١٥] الشيء يجب أن لا يكون منه بد عند وجود الشيء، ليس أنه الذي لا بد منه عند عدم الشيء
[١] قد تبقى: قد بقيت بخ.
[٢] إليها: إليه م.
[٣] أحق: و أحق ط.
[٤] ذكرناه: ذكرنا ط.
[٥] ما بتقوم: ما ينفق ط.
[٦] الأحق: اللاحق م.
[٧] طبيعة كل: الطبيعة لكل م.
[٨] بعد: ساقطة من د.
[٩] تحصل: تحدث د.
[١٠] انطيقون: لانطيقون سا؛ انطيغون ط.
[١١] للجواهر: للجوهر سا.
[١٢] الخشبية: الخشب ط
[١٣] فينبت: و ينبت ط.
[١٤] الطبيعية: الطبيعة سا.
[١٥] مقوم: مفهوم د؛ يقوم سا.