الشفاء - الطبيعيات - ابن سينا - الصفحة ١٢٦
البعد [١]، كما يقتضى إذا جعل اللون موجودا أو الحيوان موجودا أن يكون صار بحال، و وصف نوعا حتى وجد.
و لذلك [٢] لا يجوز العقل [٣] أن يكون الفصل الحقيقى يبطل عن النوع، و يبقى حصة جنسه له و هذا يوضح [٤] فى مواضع أخر.
و إذا كان كذلك فلا يكون هذا الانفصال بين بعد فى مادة، و بعد لا فى مادة، انفصالا بفصل منوع [٥]، بل انفصالا بأعراض لازمة خارجة عن تقويم طبيعة البعد نوعا. و الأشياء المتفقة بالطبيعة لا يستحيل أن يتوهم لكل واحد منها العارض الذي للآخر، لكنه ربما استحال ذلك لعائق و لزمان و لسبب [٦] من خارج.
و كأنا أمعنا الآن فى غير النظر الذي من غرضنا أن نتكلم فيه، و هو النمط الأشبه بالكلام الطبيعى، فنقول:
إن كان بعد مفارق، فلا يخلو إما أن يكون متناهيا، و إما أن يكون غير متناه، لكن طبيعة الخلاء عند جميع من يوجب وجوده هى بحيث لا ينتهى إلا [٧] إلى بعد ملاء، فإنه [٨] إن كان الملاء متناهيا انتهى [٩] أيضا [١٠] إلى الخلاء، فيلزم أن يكون عندهم بعد غير متناه، إما خلاء وحده أو ملاء وحده يتحدد به [١١] الخلاء، أو تأليف خلاء و ملاء، و محال أن يكون بعد [١٢] غير متناه على هذه الصفة، كما نوضحه بعد، فمحال أن يكون خلاء على ما يقولون. و أيضا إن كان خلاء فلا يخلو إما أن يدخله الملاء أو لا يدخله و إن [١٣] دخله الملاء فلا يخلو إما أن يبقى بعد الخلاء مع المداخلة موجودا، أو معدوما. فإن [١٤] كان معدوما فلا يجوز أن يسموه مكانا، بل يكون المكان هو ما [١٥] يحيط بالجسم من الخلاء المقارن له، و ذلك لأنه فى ذلك لا غير، إذ قد عدم ما بين ذلك من بعد الخلاء و لا يكون أيضا جميع ذلك، بل نهايته التي تلى المتمكن، لأن جميع ذلك لو توهم معدوما إلا هذا الطرف لكان المتمكن فى شيء أن يحرك فارقه مهيئا لعاقب [١٦] يخلفه، و أيضا ما وراء ذلك قد تسكنه أجسام كثيرة، و مكان الشيء لا يسعه معه جسم آخر و مع ذلك فإن كان هذا البعد تارة يعدم، و تارة يوجد، فيكون تارة بالقوة، و تارة بالفعل، و كل ما كان كذلك فإن كونه بالقوة معنى موجود قبل وجوده فى طبيعة قابلة لوجوده ليسلم الطبيعيون هذا على سبيل الأصل الموضوع، فيكون الخلاء مؤلفا من بعد و مادة تتصور بذلك البعد، فيصير ذا وضع و يكون إليه إشارة، و هذا [١٧] هو الجسم، فيكون الخلاء جسما. و إن كان يبقى مع المداخلة، فيكون بعد يدخل فى بعد، و هذا قد أبطلنا إمكانه
[١] البعد: البعدية ط.
[٢] و لذلك: و كذلك سا
[٣] العقل: للعقل سا
[٤] يوضح: موضح سا.
[٥] منوع: بنوع سا.
[٦] و لسبب: و بسبب سا، م.
[٧] إلا: ساقطة من د، سا
[٨] فإنه: بأنه سا
[٩] انتهى: ينتهى ط
[١٠] أيضا: إليه م.
[١١] يتحدد به: يتحد به سا، بتحديد ط، و يتحد به م.
[١٢] بعد: ساقطة من سا، م.
[١٣] و إن: فإن ط.
[١٤] فإن: و إن ط، م
[١٥] هو ما: ما هو سا.
[١٦] لعاقب: لمعاقب م.
[١٧] و هذا: فهذا ط.