الشفاء - الطبيعيات - ابن سينا - الصفحة ١٥٩
و يرجع الأمر إلى أن هذه القبلية البعدية أول موضوعهما [١] الزمان. فالزمان لذاته يعرض له قبل و بعد، بل الذي يعرض له قبل و بعد لذاته هو الذي نسميه الزمان، إذ قد بينا أنه لذاته هو مقدار الإمكان المشار إليه، و لما [٢] صح أن الزمان ليس مما يقوم بذاته، و كيف يكون مما [٣] يقوم بذاته و ليس له ذات حاصلة و هو حادث و فاسد، و كل ما يكون مثل [٤] هذا فوجوده [٥] متعلق بالمادة، فيكون الزمان ماديا، و مع أنه مادى موجود فى المادة بتوسط الحركة فإن لم تكن حركة و لا تغير لم يكن زمان، فإنه كيف يكون زمان [٦] و لا يكون قبل و بعد، و كيف يكون قبل و بعد إذا لم يحدث أمر فأمر [٧] فإنه لا يكون بعد و قبل معا، بل يبطل الشيء الذي هو قبل من حيث هو قبل، لأنه يحدث الشيء الذي هو بعد، من حيث هو بعد [٨] فإن لم يكن اختلاف و تغير ما [٩] بأن يبطل شيء أو يحدث شيء لا يكون أمر هو بعد إذ لم يكن قبل، أو أمر هو قبل [١٠] إذ ليس بعد.
فإذن الزمان لا يوجد إلا مع وجود تجدد حال و يجب أن يستمر فى ذلك التجدد و إلا لم يكن زمان أيضا، لأنه إذا كان أمر دفعة ثم لم يكن شيء [١١] البتة حتى كان [١٢] شيء آخر دفعة لم يخل إما أن يكون بينهما إمكان تجدد أمور أو لا يكون فإن كان بينهما إمكان تجدد أمور فيكون فيما بينهما قبل و بعد، و القبل و البعد إنما يتحقق بتجدد أمور، و فرضنا أنه ليس هناك تجدد أمور، هذا خلف. و إن لم يكن بينهما هذا الإمكان فهما متلاصقان [١٣]، فلا يخلو إما أن يكون ذلك الالتصاق مستمرا أو لا يكون، فإن كان مستمرا فقد حصل ما فرضناه على أنه محال ستتضح استحالته بعد، و إن كان منقطعا عاد الكلام من رأس. فيجب ضرورة إن كان زمان أن يكون تجدد أحوال إما على التلاصق [١٤] و إما على الاتصال، فإن لم تكن حركة لم يكن زمان. و لأن الزمان كما قلنا مقدار و هو متصل محاذ لاتصال [١٥] الحركات و المسافات، فله لا محالة فصل متوهم و هو الذي يسمى الآن.
[١] موضوعهما: موضوعها د، سا.
[٢] و لما: لما سا.
[٣] يكون مما: ساقطة من م.
[٤] مثل: يمثل م
[٥] فوجوده: بوجوده سا.
[٦] زمان (الثانية): ساقطة من سا.
[٧] فأمر: ساقطة من م.
[٨] من حيث هو بعد: ساقطة من د
[٩] ما: ساقطة من سا، ط، م.
[١٠] أو أمر هو قبل: ساقطة من م.
[١١] شيء (الأولى): الشيء د
[١٢] حتى كان: حتى إذا كان سا.
[١٣] متلاصقان: ملتصقان سا، م.
[١٤] التلاصق: التلاحق بخ.
[١٥] لاتصال: الاتصال سا.