إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٥٥
الاول: ما لا يستقل العقل بدركه حسنا و لا قبحا، و ذلك كصوم آخر رمضان و أول شوال، فانه لا طريق للعقل الى الحكم بحسن صوم الاول و قبح الثاني بل الشرع.
الثاني: ما يستقل العقل بدركه ضرورة، و ذلك كالعلم بحسن الصدق النافع و الانصاف و شكر المنعم، و قبح الظلم و الفساد و تكليف ما لا يطاق.
الثالث: ما يستقل العقل بدركه نظرا، و ذلك كالحكم بحسن الصدق الضار، و قبح الكذب النافع.
و قد احتجوا لذلك بوجوه ذكرها المصنف:
الاول: أن الضرورة قاضية بحسن ما ذكرناه من الامور الحسنة، و بقبح ما ذكرناه من الامور القبيحة، من غير شك في ذلك. و لهذا اذا قلنا لشخص ان صدقت فلك دينار و ان كذبت فلك دينار و استوى الامران بالنسبة إليه، فانه يختار الصدق لما تقرر عنده من حسنه ببديهة عقله، و أيضا لا شك في ذكرنا حسنه و قبح ما ذكرنا قبحه.
فالحاكم بذلك اما العقل أو الشرع، اذ لا ثالث لهما، و الثاني باطل، لانا نفرض أنفسنا خالية عن مجموع الشرائع و الاديان ثم نعرض عليها هذه الامور فنجدها حاكمة بها، و لم نجدها حاكمة بقبح الصوم أول شوال و حسنه آخر رمضان الا بسماع الشرع، فظهر الفرق. فلو كان الحاكم هو الشرع لما صح منها الحكم في الصورتين الا بسماع الشرع.
و أيضا فان من لا يقول بالشرع بل ينكره كالبراهمة و الجاهلية، يحكمون بالحسن و القبح المذكورين، و لو لم يكونا عقليين لما حكموا بذلك، و ليس حكمهم فيها بملائمة الطبع و منافرته، فان الطباع في الناس مختلفة، فكثير من الامور ينفر منها طبع شخص و يميل إليها طبع آخر، مع اتفاقهم على الحكم