إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٠٧
لا نسلم أنه لو لم يكن موصوفا به لا تصف بضده، لجواز خلو المحل عن الضدين كالهواء، فانه لكونه جسما يصح اتصافه بالسواد و البياض، و لا يلزم من عدم اتصافه بأحدهما اتصافه بالآخر، نعم يلزم من عدم اتصافه به اتصافه بعدمه، لكن لم قلتم [ان] عدم الادراك نقص في حقه تعالى.
و القياس على الشاهد لم يتم، فان حسن الصورة في الشاهد من صفات الكمال، و ليست في الغائب كذلك، و لا يلزم من عدم اتصافه به نقص.
و أيضا فانا نمنع كبرى القياس، أعني كل حي يصح أن يدرك، فان كثير من الاحياء قد انتفى عنه الادراك، فان السمك و كثير من الهوام لا سمع لها، و العقرب و الخلد لا بصر لهما، و الديدان لا سمع لها و لا بصر، فلا يتم المدعى.
و الاولى أن نقول: لما دل الدليل النقلي على اتصافه بالادراك آمنا بذلك و رأينا أن حقيقته اللغوية يفتقر الى الآلات الجسمانية، و هي مستحيلة عليه تعالى فعلمنا أن المراد ليس حقيقته اللغوية، فتعين حمله على المجاز، و هو العلم.
لانه أقرب المجازات إليه، لانه اطلاق اسم السبب على المسبب، فيكون المراد به كونه عالما بالمدركات، و يدل على ثبوت هذا الوصف له ما تقدم من كونه عالما بكل المعلومات و من جملتها المدركات.
قوله «و احتجاج النفاة» الخ اشارة الى حجة الفلاسفة المانعين من وصفه تعالى بالادراك و تقريرها: انه لو كان الباري تعالى موصوفا بالادراك لزم اتصافه بالآلات الحسية، و اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: ان الادراك البصري اما بخروج الشعاع أو الانطباع، و كلاهما مفتقر الى الآلة. و كذا الادراك السمعي يتوقف على حصول التموج الى الصماخ، و كذا باقي الادراكات و هو ظاهر. فلو كان تعالى موصوفا بالادراك لكان له آلة حسية، و هو محال.