إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ١٩٥
فنقول: ان الانسان الذي لم يكن عالما بالمسألة ثم ظهرت له، يحصل له حالة لم تكن حاصلة من قبل، و هي ظهور المسألة له. فالعلم عبارة عن ظهور الاشياء و انكشافها للنفس، و علم اللّه تعالى بالاشياء عبارة عن ظهورها له و انكشافها لا بمعنى أنها لم تكن ظاهرة ثم ظهرت و انكشفت، بل بمعنى أنها ظاهرة لذاته غير غائبة أزلا و أبدا. و لا يتغير ذلك الانكشاف و الظهور، فيعلم الثابت ثابتا و المتغير حاصلا في حينه غير حاصل في غيره من الاحيان، «فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الارض و لا في السماء» [١]، من غير أن يحصل لذاته المقدسة حلول صفة فيها، أو تغير من حال الى حال.
اذا عرفت هذا فاعلم أن المصنف استدل على كونه عالما بوجهين:
الاول: أنه فعل أفعالا محكمة متقنة، و كل من كان كذلك فهو عالم، فاللّه تعالى عالم، و المتقدمتان ضروريتان.
أما الصغرى: فالحس يدل عليها، لان المراد بالاحكام هو الترتيب العجيب و التأليف اللطيف المستجمع لخواص كثيرة، المشتمل على منافع [٢] عظيمة و ذلك ظاهر في العالم فانه اما فلكي أو عنصري، و الاحكام ظاهر في القسمين.
أما الفلكي فبين لمن تأمل خلق الافلاك و نضدها و ترتيبها، و ما يترتب على حركاتها من وجود الليل و النهار، و ما يحصل فيهما من الافعال العجيبة.
و أما العنصري فلانه اما بسائط أو مركبات، و الاحكام أيضا ظاهر في القسمين، خصوصا في بنية الانسان، كما قال اللّه تعالى وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [٣] و ذلك بين لمن نظر في علم التشريح.
[١] اقتباس من سورةيونس: ٦١.
[٢] فى «ن» فوائد.
[٣] سورة الذاريات: ٢١.