إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢١١
الثانية: قالت الاشاعرة: الكلام عندنا مقول على قسمين: الاول الكلام الحسي، و هو ايجاد الحروف و الاصوات الدالة على المعاني كما ذكرتم.
و الثاني المعنى التي تعبر عنه بتلك الحروف و الاصوات، و هو الكلام النفسي كما أشار إليه الشاعر:
ان الكلام لفي الفؤاد و انما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا
أما القسم الاول فلا نزاع فيه. و أما الثاني فيدل على ثبوته أنه ثبت أن الالفاظ موضوعة بإزاء الصور الذهنية، فاذا نطق أحدنا بخبر فذلك المدلول عليه ليس هو الاعتقاد، لانه قد يخبر بما لم يعتقده، و ليس هو القدرة و لا العلم و هو ظاهر، و لا الإرادة لان الشخص قد يأمر بما لا يريد، كما في قصة الامر لعبده اقامة لعذره عند السلطان حين يوعده على ضربه، فانه طالب غير مريد لطاعته، فان طاعته مستلزمة لعقوبة السلطان له، و العاقل لا يريد ضرر نفسه، و ظاهر أن غير ذلك من الصفات ليست مما وضع له اللفظ، فبقي أن يكون لمعنى آخر، و هو «الكلام النفساني» و يدل على تسميته كلاما البيت المذكور.
و حينئذ نقول: لما دل الدليل على كونه متكلما، فلا جائز أن يكون كلامه هو القسم الحسي، لان كلامه صفته، و صفة الشيء تقوم به، لكن الحسي لا يقوم به، فلا يكون صفته، فبقي أن يكون هو القسم النفسي و هو المطلوب، و اللّه تعالى متكلم بمعنى أنه قائم به ذلك المعنى النفسي.
قالت المعتزلة: لا شك أن المتبادر الى الاذهان من قولنا تكلم فلان ليس الا ايجاد الحروف و الاصوات، و ذلك مما لا شك فيه، و لهذا لو قال شخص عن الاخرس و الساكت أنهما متكلمان كذبه العقلاء في ذلك، و لو كان الكلام ما ذكروه لما ساغ لهم تكذيبه، لان الساكت و الاخرس لهما ذلك المعنى، و المراد من البيت المذكور تخيل الكلام، و الا لكان الاخرس متكلما، مع أنه كلام