إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٣١٨
لوروده في التوراة في أحكام منسوخة عندهم. و بيان الانقطاع لم ينقل لانقطاع تواترهم.
أقول: اليهود (لعنهم اللّه تعالى) لما قالوا باستحالة النسخ لشريعة موسى عليه السلام و لم يحكموا بصحة نبوة عيسى و [نبوة] محمد عليهما السلام، فلذلك ذكر المصنف كلامهم و الجواب عنه، و لا بد من بيان النسخ أولا، و بيان جوازه عقلا و نقلا ثانيا، ثم نذكر ما احتجوا به على ابطاله و الجواب عنه.
فنقول: النسخ لغة النقل و الازالة و اصطلاحا هو رفع حكم شرعي بحكم آخر شرعي متراخ عنه على وجه لو لا الثاني لبقي الاول. و منع أكثر اليهود من جوازه، فبعضهم منعه عقلا و سمعا، و بعضهم أجازه عقلا و منع منه سمعا.
و الحق خلاف قولهم، و يدل عليه عقلا: هو أن الاحكام [الشرعية] تابعة للمصالح، و المصالح قد تختلف بحسب اختلاف الازمان و الاشخاص، بحيث يصير ما كان مصلحة في وقت مفسدة في آخر، ففي وقت صيرورته مفسدة يجب أن يتغير الحكم المتعلق به حال مصلحته، و الا لزم من التكليف على تقدير صيرورته مفسدة فعل القبيح، و هو محال عليه تعالى.
و أما نقلا فلوجوه: الاول: حيث ثبت نبوة محمد صلى اللّه عليه و آله بالدليل السالف، لزم القول بجواز النسخ، و الا لزم بطلان نبوته، هذا خلف.
الثاني: أنه ورد في التوراة أن اللّه تعالى قال لآدم و لحواء: أحللت لكما كل ما دب على وجه الارض، و كانت له نفس حبة. و جاء فيها أيضا أنه قال لنوح عليه السلام: خذ معك من الحيوان الحلال كذا و من الحرام كذا. فقد حرم اللّه على نوح ما كان حلالا لآدم و حواء، و هو نسخ صريح، فان كانت التوراة غير محرفة فهذا برهاني. و الا فهذا الزامي.