إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٩٧
و استدل المصنف على وجوبها بطريقين:
الاول: طريقة الحكماء و تقريرها أن نقول: كلما كان صلاح النوع مطلوبا للّه تعالى كانت الشريعة واجبة، و كلما كانت الشريعة واجبة كانت البعثة واجبة فكلما كان صلاح النوع مطلوبا فالبعثة واجبة. أما بيان حقيقة المقدم من الشرطية الاولى فظاهرة.
و أما بيانها [١]: فلان الانسان مدني بالطبع، بمعنى أنه لا يمكن أن يعيش وحده كغيره من الحيوانات، و ذلك لافتقاره في معاشه الى أمور كثيرة لا يتم نظام حاله الا بها، كالمأكل و الملبس و المسكن له و لمن يتعلق به، و كان مما يتعذر عليه تحصيلها بجملتها، و الا لازدحم على الواحد كثيرا، و كان مما يتعسران أمكن، فاقتضى ذلك وجود جماعة يفزع كل واحد لصاحبه عن مهمه، كالحداد يصنع للحطاب قدوما [٢] يقطع به الحطب و الحطاب يأتيه بحطب يلين بسببه الحديد و تصنع منه الآلات ليستعملها الزراعون و غيرهم، و كذا في باقي المنافع.
ثم ان الاجتماع مظنة النزاع، لان التغلب موجود في الطباع، لان كل أحد يرى العمل بمقتضى شهوته و ارادته دون الاخر، و يرى حفظ ماله و استيلاؤه عليه و بطلان حق غيره عليه، و يغضب على من يزاحمه، فتدعونه [٣] شهوته و غضبه الى المنازعة، فيقع الهرج و المرج و هلاك النوع و فساده، و منشأ ذلك كله من خلوهم من معاملة و عدل، و أمور يتفق [٤] عليها بينهم، بحيث يرجعون إليها عند منازعتهم و مجاذبتهم، فيجب وجود تلك المعاملة و العدل. ثم ان
[١] فى «ن»: و أماثانيها.
[٢] القدوم جمع قدم وقدائم: آله للنحت و النجر.
[٣] فى «ن»: فتدعوه.
[٤] فى «ن»: متفق.