إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٨٨
أمر بالانفاق من الرزق، و اللّه تعالى لا يأمر بالانفاق من الحرام، اذ التصرف في الحرام منهي عنه فلا يقع مأمورا به [١].
و في هذا الدليل نظر: أما أولا فالمنع من كون «ما» للعموم في الخبر.
و أما ثانيا فلانا نمنع كون «من» في الآية للتبيين، لان شرطها أن تكون بعد اسم مبهم نحو قوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [٢] و ليس هنا كذلك، بل هي للتبعيض، فيكون قد أمر بانفاق بعض الرزق، فلا يدل على المطلوب، و على تقدير تسليم العموم و كون «من» للتبيين يجوز تخصيص العام بما ذكرتم.
و اعلم أن الرزق يجوز طلبه، بل قد يجب كما اذا لم يكن ثم وجه غيره، و قد يستحب، و قد يباح، و قد يحرم كما اذا اشتمل على وجه نهي الشارع عنه، و قد يكره كما اذا اشتمل على ما ينبغي التنزه عنه.
ثم ان الرزق قد يكون تفضلا منه تعالى، بأن لا يكون للمكلف فيه لطف، و قد يكون فيه لطف و ذلك فيما يجتهد في تحصيله، و وجه لطفيته أن يحصل للطالب عقيبه، بأن المنافع الدنيوية انما يحصل بالتعب، ففي الاخروية أولى.
و ذهب الصوفية الى أنه لا يجوز السعي في طلبه.
و الدليل على ما قلناه من وجوه:
الاول: أن طلب الرزق مما يدفع به الضرر عن النفس، و دفع الضرر عن النفس واجب.
الثاني: قوله تعالى فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [٣] و قوله
[١] و مدح تعالى بقوله وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَسورة البقرة: ٣.
[٢] سورة الحج: ٣٠.
[٣] سورة الجمعة: ١٠.