إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٢٩
الحاجة الى المكان، و هما باطلان.
أقول: من صفاته السلبية كونه ليس في مكان، خلافا للمشبهة.
و اعلم أن نفي الجسمية عنه مستلزم لنفي الجهة و المكان، لانهما لا يعقلان الّا للاجسام، فلا وجه لاعادة البحث فيهما، لكن ذكر عن بعض المتكلمين تجويز كون المجرد في جهة و مكان، فاستدعى ذلك ايرادهما.
اذا عرفت هذا فنقول: يدل على نفي المكان عنه تعالى وجهان:
الاول: لو كان تعالى في مكان لكان مفتقرا إليه، و اللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة: أن كل ما هو في المكان فانه لا ينفك عن حجم و شكل و مقدار، و كلما كان كذلك استحال انفكاكه عن المكان، فيكون مفتقرا الى المكان. و أما بطلان اللازم فلان المكان غيره، و كل مفتقر الى الغير ممكن، فلو كان في المكان لكان ممكنا، هذا خلف [١].
الثاني: لو كان تعالى في مكان لكان مكانه: اما مساويا لسائر الامكنة أو مخالفا لها، و القسمان باطلان:
أما الاول فلانه يستدعي مخصصا يخصصه بذلك المكان دون غيره، فيلزم أن يكون محدثا، لان كلما هو فعل المختار فهو محدث، فيكون كونه في المكان محدثا، هذا خلف.
و أما الثاني فلانه اذا كان مخالفا يجب أن يكون موجودا، لاستحالة الامتياز في العدمات، و حينئذ اما أن يكون قديما أو حادثا، فان كان قديما لزم تعدّد القدماء، و ان كان حادثا فاما أن يمكن وجود الباري تعالى بدونه أولا، فان أمكن كان احتياجه إليه تعالى حادثا، لان الباري قديم و المكان ليس بقديم، فليس في الازل مكان، فكان مستغنيا، فمع وجود المكان حدثت الحاجة، و الاحتياج صفة له، فيكون محلا للحوادث، و ان لم يمكن يكون تعالى حادثا، هذا خلف.
[١] الخلف لغة: القولالردى، و عند المنطقيين هو اثبات الشيء بابطال نقيضه «منه».