إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين - الفاضل المقداد - الصفحة ٢٢٠
المعتزلة و الكرامية، خلافا للاشاعرة و الحنابلة، لكن ما ذكروه لا يدفع به مذهب الاشاعرة، لما نقلنا عنهم من أنهم لا ينفون الكلام الحسي، بل المدعى قدمه عندهم هو المعنى، و ذلك لا يبطل بما قاله، بل بما تقدم. بل يبطل به مذهب الحنابلة، و هو من وجوه:
الاول: مركب من الحروف المتتالية التي كل واحد منها يلحقه العدم، و لا شيء من القديم يجوز عليه العدم، و أيضا اللاحق مسبوق بالسابق، و لا شيء من القديم بمسبوق بغيره.
الثاني: لو كان كلامه تعالى قديما لزم كذبه، و اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أنه أخبر عن ارسال نوح عليه السّلام بقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً [١] و الاخبار مسبوق بوقوع النسبة في الخارج في زمان سابق على زمان الاخبار، فلو كانت هذه الصيغة قديمة لوجب أن يكون ثم زمان سابق على الازل، مع أنه لا سابق على الازل، فيكون كذبا.
الثالث: من جملة كلامه تعالى صيغ الامر و النهي، فتكون أزلية، لكن ذلك محال، لكونه أمرا و نهيا للمعدوم، و هو عبث قبيح مستحيل عليه تعالى، فلو كان كلامه أزليا لكان عابثا، تعالى اللّه عن ذلك.
الرابع: أنه تعالى وصف كلامه بالحدوث، فيكون حادثا. أما الاول فلقوله تعالى ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ [٢] و الذكر هو القرآن لقوله تعالى وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ [٣] و إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
[١] سورة نوح: ١.
[٢] سورة الأنبياء: ٢.
[٣] سورة الزخرف: ٤٤.