سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٦ - الباب الثامن في سياق القصة
رواية العسل بدل الماء فشرب من العسل قليلا، و تناول اللبن فشرب منه حتى روي، فضرب جبريل منكبيه و قال: «أصبت الفطرة، و لو شربت الخمر لغوت أمّتك و لم يتبعك منهم إلا القليل، و لو شربت الماء لغرقت أمّتك»، و في رواية قال شيخ «متّكئ على منبر له لجبريل:
«أخذ صاحبك الفطرة، و إنه لمهتد». ثم أتي بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلق أحسن من المعراج، له مرقاة من فضة و مرقاة من ذهب. و في رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى أنه أتي بالمعراج من جنّة الفردوس منضّد باللؤلؤ، عن يمينه ملائكة و عن يساره ملائكة، فصعد هو و جبريل حتى انتهيا إلى باب من أبواب السماء الدنيا يقال له باب الحفظة و عليه ملك يقال له إسماعيل، و هو صاحب السماء الدنيا- و في حديث جعفر بن محمد عند البيهقي: «يسكن الهواء فلم يصعد إلى السماء قط و لم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)»، انتهى- و بين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف.
فاستفتح جبريل باب السماء: قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: و من معك؟ قال:
محمد، قيل: أو قد أرسل إليه؟- و في رواية: بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به و أهلا، حيّاه اللّه من أخ و من خليفة، فنعم الأخ و نعم الخليفة، و نعم المجيء جاء ففتح لهما. فلما خلصا إلى السماء، فإذا فيها آدم كهيئته يوم خلقه اللّه على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة و نفس طيّبة، اجعلوها في عليّين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الكفّار، فيقول: روح خبيثة و نفس خبيثة، اجعلوها في سجين و عن يمينه أسودة و باب تخرج منه ريح طيبة و عن شماله أسودة و باب تخرج منه ريح خبيثة، فإذا نظر عن يمينه ضحك و استبشر، و إذا نظر عن شماله حزن و بكى.
فسلّم عليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فردّ (عليه السلام)، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم،
و هذه الأسودة نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، و أهل الشمال منهم أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، و إذا نظر عن شماله بكى، و هذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر عن يمينه ضحك، و إذا نظر عن شماله بكى، و هذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر من يدخله من ذرّيته ضحك و استبشر، و الباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر من يدخله من ذريته بكى و حزن.
ثم مضى (صلّى اللّه عليه و سلم) هنيهة، فإذا هو بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربه أحد، و إذا بأخونة عليها لحم قد أروح و أنتن، عنده ناس يأكلون منه. فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمّتك يتركون الحلال و يأتون الحرام. و في لفظ: و إذا هو بأقوام على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رؤي من اللحم، و إذا حوله جيف، فجعلوا يقبلون على الجيف يأكلون منها و يدعون اللحم. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة يحلّون ما حرّم اللّه عليهم و يتركون ما أحلّ اللّه لهم.