سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨ - الخامس في الكلام على «أسرى»
مضمر [متروك إظهاره، تقديره] أسبّح اللّه سبحان. ثم نزل منزلة الفعل فسدّ مسدّه و دلّ على التنزيه البليغ من جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء اللّه».
الطيبي (رحمه اللّه تعالى): «و ذلك في جلب هذا المصدر في أصل هذا التركيب للتوكيد، و هو أسبّح تسبيحا ثم أسبح سبحان، ثم في حذف العامل و إقامته مقامه للدلالة على أن المقصود بالذات هو المصدر، و الفعل تابع، فيفيد الإخبار بسرعة وجود التنزيه».
و روى عن الكسائي أنه جعل منادى تقديره يا سبحانك، و أباه الجمهور.
السفاقسي و السمين [١]: «و ردّ بأنه لم يسمع دخول حرف النداء عليه، و زعم بعضهم أن لفظه لفظ التثنية و معناه كذلك كلبّيك. و هو غريب. و يلزمه أن يكون مفرده سبحا و ألا يكون منصوبا بل مرفوعا، و أن نونه لم تسقط بالإضافة و أن فتحها يلزم».
و من الغرائب أيضا ما حكاه الماوردي عن أبان بن تغلب- بالمثناة الفوقية و الغين المعجمة- أن سبحان كلمة أصلها بالنبطية «شبهانك» فعرّبت «سبحانك». و الذي أضيف إلى سبحان مفعول به لأنه المسبّح، و يجوز أن يكون فاعلا لأن المعنى تنزه الذي أسرى بعبده.
الخامس: في الكلام على «أسرى»:
البرهان النسفي: قال أهل اللغة: أسرى و سرى لغتان. زاد غيره: يختصان بسير الليل.
السمين: فيكون سرى و أسرى كسقى و أسقى. و الهمزة هنا ليست للتعدية، خلافا لابن عطية، و إنما المعدّى الباء في «بعبده». و تقدم في البقرة أنها لا تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول عند الجمهور، خلافا للمبرد. و بسط الكلام على ذلك هنا و في البقرة.
السفاقسي: الباء للتعدية و ترادف الهمزة عند الجمهور خلافا للمبرد و السهيلي في أنها تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة حتى قال السهيلي: إذ قلت قعدت به فلا بدّ من مشاركة و لو باليد. و ردّ عليهما بالآية: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة ١٧] لأن اللّه لا يوصف بالذهاب مع النور. و ردّ عليهما أيضا بقول الشاعر:
[١] أحمد بن يوسف بن محمد، و قيل: عبد الدائم، العلامة شهاب الدين أبو العباس الحلبي ثم المصري، النحوي المقرئ الفقيه، المعروف بابن السمين. قرأ النحو على أبي حيان، و القراءات على ابن الصائغ، و سمع و ولي تصدير إقراء النحو بالجامع الطولوني، و أعاد بالشافعي، و ناب في الحكم بالقاهرة، و ولي نظر الأوقاف بها، و صنف تصانيف حسنة، منها تفسير القرآن مطول، و قد بقي منه أوراق قلائل، قال الحسيني: في عشرين سفرا، و إعراب القرآن سماه الدر المصون في أربعة أجزاء، و مادته فيه من تفسير شيخه أبي حيان إلا أنه زاد عليه، و ناقشه في مواضع مناقشة حسنة و قد قمنا بتحقيقه، و أحكام القرآن و شرح التسهيل شرحا مختصرا من شرح أبي حيان، و شرح الشاطبية. قال الإسنوي: كان فقيها بارعا في النحو، و التفسير، و علم القراءة، و يتكلم في الأصول خيرا دينا. توفي في جمادي الآخرة، و قيل: في شعبان سنة ست و خمسين و سبعمائة بالقاهرة. ابن قاضي شهبة ١٨١٣.