سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٣ - الثالث و العشرون في الكلام على قوله تعالى
أخرى. الثاني: أنه عطف جملة تقديره مقدّرة على جملة. فمثال المستقلة: خرج زيد و دخل عمرو، و مثال المقدّرة: خرج زيد و دخل، الوجهان جائزان هنا. أما الأول فكأنه تعالى قال عند ظهور النور: ما زاغ بصر محمّد و ما طغى محمد بسبب الالتفات، و لو التفت لكان طاغيا. و أما الثاني فظاهر. فإن قيل بأن الغاشي للسّدرة جراد، فالمعنى لم يلتفت إليه و ما طغى، أي ما التفت إلى غير اللّه تعالى، و لم يلتفت إلى الجراد و لا إلى غير الجراد، بل إلى اللّه سبحانه و تعالى. أما على قول من قال غشيها نور، فقوله تعالى: «ما زاغ» أي ما مال عن الأنوار. و ما طغى، أي ما طلب شيئا وراءه. و فيه لطيفة و هي أن اللّه تعالى قال: ما زاغ و ما طغى و لم يقل ما مال و ما جاوز، لأن الميل في ذلك الموضع و التجاوز مذمومان، فاستعمل الزّيغ و الطغيان فيه.
و فيه وجه آخر، و هو أن يكون ذلك بيانا لوصول النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى شدة اليقين الذي لا يقين فوقه، و وجه ذلك أن بصره (صلّى اللّه عليه و سلم) ما زاغ أي ما مال عن الطريق، فلم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف من ينظر إلى عين الشمس مثلا، ثم ينظر إلى شيء أبيض فإنه يراه أصفر و أخضر، يزيغ بصره عن جادّة الإبصار. و قوله: وَ ما طَغى أي ما تخيّل المعدوم موجودا، و قيل: «و ما طغى» أي ما تخيّل المعدوم موجودا و قيل: «وَ ما طَغى» أي ما جاوز ما أمر به».
الثالث و العشرون: في الكلام على قوله تعالى: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨].
اللباب: «في الكبرى وجهان، أظهر هما أنه مفعول رأى من آيات ربه حال مقدمه، و التقدير: لقد رأى الآيات الكبرى من آيات ربه. و الثاني أن «من آيات ربه» هو مفعول الرؤية، و الكبرى صفة لآيات ربه. و هذا الجمع يجوز وصفه بوصف المؤنثة الواحدة، و حسنه هنا كونها فاصلة».
الإمام الرازي: «في الكبرى وجهان: أحدهما: أنهما صفة لمحذوف تقديره لقد رأى من آيات ربه. ثانيهما: صفة لآيات ربه، فيكون مفعول رأى محذوفا تقديره: رأى من آيات ربه الكبرى آية أو شيئا.
القرطبي: «و يجوز أن تكون «من» زائدة، أي رأى آيات ربه الكبرى. و قال بعضهم: آيات ربه الكبرى هي أنه رأى جبريل (عليه السلام) في صورته».
قال الإمام: «و الظاهر أن هذه الآيات غير تلك لأن جبريل و إن كان عظيما لكن ورد في الأخبار أن للّه ملائكة أعظم منه. و الكبرى تأنيث الأكبر، فكأنه تعالى قال: رأى من آيات ربه آيات هي أكبر الآيات. و روى الإمام أحمد و الترمذي و صحّحه، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال: «رأى جبريل في حلّة من رفرف قد ملأ ما بين السماء و الأرض».