سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٥ - الباب السادس في دفع شبهة أهل الزّيغ في استحالة المعراج
أرض الشام في أقل من لمح البصر. و الأجسام متماثلة في تمام ماهياتها، فلما حصل مثل هذه الحركة في حق بعض الأجسام وجب إمكان حصولها في سائر الأجسام، فهي ممكنة و اللّه تعالى قادر على حصولها في جسد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و الجواب عن الثاني: و هو خرق الأفلاك فليس بمحال و قد منعه النّفاة للجنة و النار.
قال الشيخ سعد الدين: «ادّعاء استحالة المعراج باطل، لأنه إنما ينبنى على أصول الفلاسفة من امتناع الخرق و الالتئام على السموات، و إلا فالخرق و الالتئام على السموات واقع عند أهل الحق، و الأجسام العلوية و السفلية متماثلة مركّبة من الجواهر الفردة المتماثلة، يصح على كل من الأجسام ما يصح على الآخر ضرورة التماثل المذكور، فإذا أمكن خرق الأجسام السفلية أمكن خرق الأجسام العلوية و اللّه قادر على الممكنات كلها، فهو قادر على خرق السموات و قد ورد به السمع فيجب تصديقه».
و الجواب عن الثالث: فكما أنه يستبعد صعود الجسم الكثيف يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من العرش إلى مركز العالم. فإن كان القول بمعراج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في الليلة الواحدة ممتنعا كان القول بنزول جبريل (عليه السلام) من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا كذلك، و لو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و القول بثبوت المعراج فرع على تسليم جواز أصل النبوة، فيلزم القائل بامتناع حصول هذه الحركة امتناع نزول جبريل (عليه السلام). و لما كان ذلك باطلا، كان ما ذكروه باطلا.
و الجواب عن الرابع: إن في كونه ليلا فوائد منها: ليزداد الذين آمنوا إيمانا بالغيب، و يفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، و قد قال اللّه تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠]، و منها أنه وقت الخلوة و الاختصاص عرفا، فإن بين جليس الملك نهارا و جليسه ليلا فرقا واضحا، و الخصوصية لليل، و رحم اللّه من قال:
اللّيل لي و لأحبّائي أنادمهم* * * قد اصطفيتهم كي يسمعوا و يعوا
و قد أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالعلامات التي تفيد اليقين من وصف بيت المقدس و وصف العير التي مرّ بها في طريقه، و أنها تصل إليهم في وقت كذا، فكان كما ذكر كما سيأتي مفصّلا. و مع ذلك قالوا: هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الأحقاف ٧]. فلا فرق بين أن يريهم ذلك نهارا و أن يخبرهم بخبر يفيد اليقين، و قد أراهم انشقاق القمر فقالوا: هذا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر: ٤].