سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - التنبيه الثامن و السبعون
أزهد و على الشدائد أصبر. فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء و بؤس نعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء. و يحتمل أن اللّه تعالى أراد ألّا يكون لأحد كرامة إلا و لمحمد مثلها، و لما كان لإدريس كرامة دخول الجنة قبل يوم القيامة أراد اللّه سبحانه و تعالى أن يكون [ذلك] أيضا لصفيّه و نجيّه محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)».
التنبيه الخامس و السبعون:
قال ابن دحية: «إنما عرضت عليه النار ليكون آمنا يوم القيامة، فإذا قال سائر الأنبياء: نفسي نفسي فنبيّنا يقول: «أمّتي أمّتي، و ذلك حين تسجر جهنم، و لذلك أمّن اللّه محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال عزّ من قائل: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَ [التحريم: ٨] و الحكمة في ذلك أن يفزع إلى شفاعة أمته، و لو لم يؤمّنه لكان مشغولا بنفسه كغيره من الأنبياء، لأنهم لم يروا قبل يوم القيامة شيئا منها، فإذا رأوها جزعوا و كفّت ألسنتهم عن الخطبة و الشفاعة من هولها و شغلتهم أنفسهم عن أممهم، و هو (صلّى اللّه عليه و سلم) قد رآها قبل ذلك فلا يفزع منها مثل ما فزعوا فيقدر على الخطبة و هو المقام المحمود، لأن الكفار لما كانوا يكذّبونه و يستهزئون به و يؤذونه أشد الأذى أراه اللّه سبحانه و تعالى النار التي أعدّها للمستخفّين به تطييبا لقلبه و تسكينا لفؤاده و للإشارة إلى أن من طيّب قلبه بإهانة أعدائه و الانتقام منهم فأولى أن يطيّبه في أوليائه بالشفاعة و الإكرام، و ليعلم منّة اللّه عليه حين أنقذهم منها ببركته و شفاعته.
التنبيه السادس و السبعون:
لم ير مالكا في صورته التي يراه عليها المعذّبون في الآخرة، و لو رآه على تلك الصورة لما استطاع أن ينظر إليه.
التنبيه السابع و السبعون:
قال الطيبي: «إنما بدأ مالك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء».
التنبيه الثامن و السبعون:
قال الطيبي: «إنما بدأ مالك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بالسلام ليزيل ما استشعر من الخوف منه بخلاف سلامه على الأنبياء ابتداء».
التنبيه الثامن و السبعون: ذكر (صلّى اللّه عليه و سلم) أنه لم يلقه ملك من الملائكة إلا ضاحكا مستبشرا إلا مالكا خازن النار، و ذلك أنه لم يضحك لأحد قبله، و لا هو ضاحك لأحد بعده. قال اللّه تعالى: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التحريم: ٦] و هم موكّلون بغضب اللّه تعالى، فالغضب لا يزايلهم أبدا.
و في هذا الحديث معارضة
لما رواه الإمام أحمد و أبو الشيخ عن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال لجبريل: «مالي لم أر ميكائيل ضاحكا قط؟» قال: «ما ضحك منذ خلقت النار»
[١]. و هذا الحديث يعارضه ما
رواه الدار قطني و غيره أن رسول اللّه تبسّم في الصلاة، فسئل عن ذلك فقال: «رأيت ميكائيل راجعا في طلب القوم و على جناحيه الغبار، فضحك إليّ، فتبسّمت إليه»
قال السهيلي: «و إذا صحّ الحديثان فوجه الجمع بينهما أن يكون لم
[١] أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٢٤ و ابن كثير في البداية و النهاية ١/ ٤٦.