سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٣ - الباب الثامن في سياق القصة
و رأى الدّجّال في صورته رؤية عين لا رؤيا منام، فقيل: يا رسول اللّه كيف رأيته؟ فقال:
«رأيته فيلمانيا أقمر هجان إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب درّيّ، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، أشبّهه بعبد العزّى بن قطن» [١]. و رأى عمودا أبيض كأنه لؤلؤة، تحمله الملائكة، فقال:
ما تحملون؟ قالوا: عمود الإسلام، أمرنا أن نضعه بالشام. و بينا يسير إذ دعاه داع عن يمينه: يا محمد، أنظرني أسألك. فلم يجبه. فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا داعي اليهود، أما إنك لو أجبته لتهوّدت أمّتك. و بينا هو يسير إذ دعاه عن شماله: يا محمد أنظرني أسألك، فلم يجبه، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصّرت أمّتك.
و بينا هو يسير، إذا بامرأة حاسرة عن ذراعها و عليها من كل زينة خلقها اللّه تعالى.
فقالت: يا محمد أنظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. و بينا هو يسير فإذا هو بشيء يدعوه متنحيا عن الطريق، يقول: هلمّ يا محمد، فقال جبريل، سر يا محمد، فقال: من هذا؟ هذا عدو اللّه إبليس، أراد أن تميل إليه. و سار فإذا هو بعجوز على جانب الطريق، فقالت: يا محمد أنظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، فقال: من هذه يا جبريل؟ قال: إنه لم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر هذه العجوز. و بينا هو يسير إذ لقيه خلق من خلق اللّه، فقالوا: السلام عليك يا أوّل، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال جبريل: اردد السلام، فردّ، ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك، ثم لقيه الثالثة فقال له مثل ذلك. فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: إبراهيم و موسى و عيسى.
و مرّ على، موسى و هو يصلي في قبره الكثيب الأحمر، رجل طوال سبط آدم كأنه من رجال شنوءة، و هو يقول يرفع صوته: أكرمته و فضّلته، فدفع إليه، فسلّم عليه فردّ (عليه السلام)، و قال: من هذا معك يا جبريل؟ فقال: هذا أحمد، فقل: مرحبا بالنبي العربي الذي نصح لأمته و دعا له بالبركة و قال: سل لأمتك اليسر.
فساروا فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا موسى بن عمران، قال: و من يعاتب؟ قال:
يعاتب ربّه. قال: أو يرفع صوته على ربه؟ قال جبريل إن اللّه تعالى قد عرف له حدّته ثم مرّ برجل قائم يصلي قال: من هذا معك يا جبريل قال جبريل: هذا أخوك محمد، فرحب به و دعا له ببركة فقال: سل لأمتك اليسر، فقال من هذا يا جبريل: قال هذا أخوك عيسى. و مرّ على شجرة كان ثمرها السرح، تحتها شيخ و عياله، فرأى مصابيح و ضوءا. فقال: من هذا يا جبريل؟ قال:
هذا أبوك إبراهيم. فسلّم عليه فردّ (عليه السلام). و قال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك
[١] أخرجه مسلم بنحوه ٤/ ٢٢٥٠ و أحمد في المسند ١/ ١٧٤.