سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - التنبيه الرابع و المائة
الفعل فاعلم أنهم أرادوا قبل مضيّ زمن يسع الفعل الأول. هذا هو المختلف فيه، و إلا فكل نسخ متّفق عليه لا يتصوّر إلا قبل الفعل لأن ما فعل مضى و انقطع التكليف به و النّسخ فيه.
قال: و إذا سمعتهم يقولون نسخ التكليف قبل البلاغ متعذر لأن شرط التكليف البلاغ فاعلم أنهم يريدون تنجيز التكليف. هذا هو المشروط بالبلاغ. و أما أصل التكليف عندنا فلا يتوقف على ذلك فإن مذهبنا أن الأمر قديم محقّق قبل وجود المأمور فضلا عن بلاغه و اللّه تعالى الموفّق.
التنبيه الرابع و المائة:
قال بعض أهل الإشارات: «لما تمكنت المحبة من قلب موسى (عليه السلام) أضاءت له أنوار نور الطور ليقتبس، فاحتبس فلما نودى في النّادي اشتاق إلى المنادي فكان يطوف في بني إسرائيل فيقول: من يحملني حتى أبلّغ رسالة ربي، و مراده أن تطول المناجاة مع الحبيب، فلما مرّ عليه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليلة المعراج ردّده في أمر الصلاة ليسعد برؤية حبيب الحبيب. و قال آخر: لما سأل موسى (عليه السلام) الرؤية و لم تحصل له البغية، بقي الشوق يقلقه و الأمل يعلّله، فلما تحقق أن سيدنا محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) منح الرؤية و فتح له باب المزيّة أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى، كما قيل:
و أستنشق الأرواح من نحو أرضكم* * * لعلّي أراكم أو أرى من يراكم
و أنشد من لاقيت عنكم عساكم* * * تجودون لي بالعطف منكم عساكم
فأنتم حياتي إن حييت و إن أمت* * * فيا حبّذا إن متّ عبد هواكم
و قال آخر:
و إنّما السّرّ في موسى يردّده،* * * ليجتلي حسن ليلى حين يشهده
يبدو سناها على وجه الرّسول فيا* * * للّه درّ رسول حين أشهده
و قال آخر: لما جلس الحبيب في مقام القرب، دارت عليه كؤوس الحب، ثم عاد و هلال ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [النجم: ١١] بين عينيه، و بشر فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [النجم: ١٠] ملء قلبه و أذنيه. فلما اجتاز بموسى (عليه السلام) قال لسان حاله لنبينا (صلّى اللّه عليه و سلم):
يا واردا من أهيل الحيّ يخبرني* * * عن جيرتي شنّف الأسماع بالخبر
ناشدتك اللّه يا راوي حديثهم* * * حدّث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري
فأجاب لسان حال نبينا (صلّى اللّه عليه و سلم):
و لقد خلوت مع الحبيب و بينا* * * سرّ أرقّ من النّسيم إذا سرى
و أباح طرفي نظرة أمّلتها* * * فغدوت معروفا و كنت منكّرا