سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧ - التاسع في الكلام على قوله تعالى
و في وصفه بذلك تنبيه على أمور:
الأول: أنه بقوته يمنع الشياطين أن تدنو منه و أن ينالوا منه شيئا أو يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، بل إذا رآه الشيطان هرب منه و لم يقربه.
الثاني: أنه موال لهذا الرسول الذي كذبتموه و معاضد له و موادّ له و ناصر، كما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤] الآية. و من كان هذا القويّ وليّه و من أنصاره و أعوانه و معلّمه. فهو المهديّ المنصور. و اللّه هاديه و ناصره.
الثالث: أن من عادى هذا الرسول فقد عادى صاحبه و وليّه جبريل، و من عادى ذا القوة و الشدة فهو عرضة للهلاك.
الرابع: أنه قادر على تنفيذ ما أمر به بقوته فلا يعجز عن ذلك مواد له كما أمر».
السمين: «فاعل علّمه جبريل (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو الظاهر. قال الماوردي و القرطبي إنه قول الجميع إلا الحسن، فإنه، قال هو الباري تعالى لقوله عزّ و جلّ: الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن: ١، ٢] و يكون «ذو مرّة» تمام الكلام».
اللباب: «يجوز أن تكون هذه الهاء للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و هو الظاهر، فيكون المفعول الثاني محذوفا أي علمه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الوحي أي الموحى، و يجوز أن يكون للقرآن و الوحي، فيكون المفعول الأول محذوفا أي علمه النبي.
الإمام الرازي: «الأولى أن يقال الضمير للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، تقديره علّم محمدا شديدا القوى جبريل، و يكون عائدا إلى صاحبكم، تقديره: ما ضل صاحبكم، و شديد القوى هو جبريل، أي قواه العلمية و العملية كلها شديدة، ثم في قوله: شَدِيدُ الْقُوى فوائد:
الأولى: أن مدح المعلّم مدح للمتعلّم، فلو قال: علّمه جبريل و لم يصفه ما كان يحصل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فضيلة ظاهرة.
الثانية: أن فيه ردّا عليهم بحيث قالوا: أساطير الأوّلين، فقال: لم يعلّمه أحد من الناس علّمه شديد القوى.
الثالثة: فيه الوثوق بقول جبريل (صلّى اللّه عليه و سلم)، ففي قوله تعالى: شَدِيدُ الْقُوى جميع ما يوجب الوثوق لأن قوة الإدراك شرط الوثوق بقول القائل على ما عرف، و كذلك قوة الحفظ، فقال: (شديد القوى) ليجمع هذه الشرائط، فيصير كقوله تعالى: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢٠، ٢١].
اللباب: «شديد القوى من كافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية، هذا ما جزم