سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٩ - الباب الثامن في سياق القصة
الباب الثامن في سياق القصة
اعلم رحمني اللّه و إياك أن في حديث كل من الصحابة السابق ذكرهم في الباب السابع ما ليس في الآخر، فاستخرت اللّه تعالى و أدخلت حديث بعضهم في بعض و رتّبت القصة على نسق واحد، لتكون أحلى في الآذان الواعيات، و ليعمّ النفع بها في جميع الحالات. فإن قلت إن أحاديث المعراج كل حديث منها مخالف للآخر. فقد يكون المعراج تعدّد بعددها فلم جعلت الكلّ قصّة واحدة؟.
فأقول: قال في «زاد المعاد»: «هذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النّقل الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الرواة جعلوه مرّة أخرى فكلما اختلفت عليهم الرواة عدّدوا هم الوقائع و الصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرّة واحدة بمكة بعد البعثة، و يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه وقع مرارا كيف ساغ لهم أن يظنّوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردّد بين ربّه و بين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول: «أمضيت فريضتي و خفّفت عن عبادي»، ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين ثم يحطها عشرا عشرا؟.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير (رحمه اللّه تعالى) في تاريخه، بعد أن ذكر أنه لم يقع في سياق مالك بن صعصعة ذكر بيت المقدس: «و كان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه، أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو ينشط تارة فيسوقه كلّه، و تارة يحدّث مخاطبه بما هو الأنفع له» «و من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرّة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد و أغرب و هرب إلى غير مهرب و لم يحصل على مطلب»، «و ذلك أن كل السياقات فيها تعريفه بالأنبياء، و في كلها تفرض عليه الصلوات، فكيف يدّعى تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد»، «و لم ينقل ذلك عن أحد من السلف و لو تعدّد هذا التعدد لأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) به أمّته و لنقله الناس على التكرار». انتهى.
و قال الحافظ في الفتح نحوه و زاد: «و يلزم أيضا وقوع التعدد في سؤاله (صلّى اللّه عليه و سلم) عن كل نبي و سؤال أهل كل باب: هل بعث إليه؟ و فرض الصلوات الخمس و غير ذلك، فإن تعدد مثل ذلك في القصة لا يتّجه، فيتعيّن ردّ بعض الروايات المختلفة إلى بعض أو الترجيح إلا أنه لا يعدّ وقوع مثل ذلك في المنام توطئة ثم وقوعه يقظة». انتهى ملخّصا.
إذا علم ما تقرر فأقول: «بينما النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عند البيت في الحجر، إذ أتاه جبريل و ميكائيل و معهما ملك آخر، فقال أوّلهم: أيّهم؟ فقال أوسطهم هو خيرهم. فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى ليلة أخرى. فقال الأول: هو هو. فقال الأوسط: نعم، و قال الآخر: خذوا سيّد القوم