سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٥ - التنبيه العاشر و المائة
آياته». فإن ثبت احتمل أن يكون المراد أنه مثل قريبا كما قيل في حديث: «أريت الجنة و النار» و يؤيد قوله: «حتى جيء بمثاله».
التنبيه العاشر و المائة:
مجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره: من المشهور اثنا عشر شيئا: الأول: كون المعراج قبل البعثة و قدّمنا جوابه. الثاني: كونه مناما و تقدم الكلام على ذلك. الثالث: أمكنة الأنبياء في السموات و قد اتضح أنه لم يضبط منازلهم لكن وافقه الزهري في بعض ما ذكر. الرابع: مخالفته في محل سدرة المنتهى و أنها فوق السماء السابعة، مما لا يعلمه إلا اللّه تعالى، و المشهور أنها في السابعة أو السادسة كما تقدم. الخامس:
مخالفته في النهرين و هما النيل و الفرات و أن عنصرهما في السماء الدنيا، و المشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة و أنهما تحت سدرة المنتهى و تقدم جوابه السادس: شقّ الصّدر عند الإسراء و قد وافقته رواية غيره كما تقدّم بسط ذلك في أبواب صفاته. السابع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، و المشهور في الحديث أنه في الجنة، و تقدم الكلام على ذلك.
الثامن: نسبة الدّنوّ و التّدلّي إلى اللّه تعالى، و المشهور أنه جبريل. قال الخطّابي: «ليس في هذا الكتاب- يعني صحيح البخاري- أشنع ظاهرا و لا أمنع مذاقا من هذا- يعني قوله: «و دنا الجبّار ربّ العزّة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»- فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين و بين الآخر و تمييز مكان كل واحد منهما، هذا مع ما في التّدلّي من التشبيه، و التمثيل له بالشيء الذي تعلّق من فوق إلى أسفل. قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلا هذا القدر مقطوعا عن غيره، و لم يعتبره بأول القصة و لا بآخرها اشتبه عليه وجهه و معناه، و كان قصاراه إما ردّ الحديث من أصله و إما الوقوع في التشبيه، و هما خطآن مرغوب عنهما.
«و أما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الإشكال فإنه مصرّح فيهما بأنه كان رؤيا لقوله في أوله: «و هو نائم» و في آخره: «استيقظ». و في بعض الرؤيا مثل يضرب ليتناول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله، و بعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك بل يأتي كالمشاهدة».
قال الحافظ: «و هو كما قال و لا التفات إلى من تعقب كلامه بقوله: إن في الحديث الصحيح أن رؤيا الأنبياء وحي فلا يحتاج إلى تعبير، لأنه كلام من لم يمعن النظر في هذا المحل، فإن بعض مرائي الأنبياء يقبل التعبير، فمن ذلك
قول بعض الصحابة له (صلّى اللّه عليه و سلم) في رؤيا القيص: «فما أوّلته يا رسول اللّه؟» قال: «الدّين». و في رؤيا اللّبن قال: «العلم».
لكن جزم الخطّابي بأن ذلك كان مناما، و هذا متعقّب بما قدّمناه من ترجيح كونه في اليقظة بالأدلة التي أشرنا إليها.