سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٠ - تنبيهات
من المتهمين، و لو كان النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سمعه ليلة الإسراء لأمر به بعد الهجرة». و لابن شاهين من طريق زياد المذكور، قال: «قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا و اللّه الباطل، لكن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لما عرج به بعث إليه ملك علّمه الأذان». قال [الحافظ ابن حجر]: «هذا باطل و يمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدّد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، و أما قول القرطبي لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: «لما أراد اللّه أن يعلّم رسوله الأذان»، و كذا قول المحب الطبري، يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي و هو الإعلام، [و هذا] فيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه».
و لابن شاهين من طريق زياد أيضا عن الباقر عن أبيه عن أبي رافع عن علي رضي اللّه عنه أنه قال: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «يا عليّ إن اللّه علّمني الصلاة و الأذان، أتاني جبريل بالبراق»،
و زياد [راويه] كذّاب. و لأبي الشيخ عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «نزل الأذان على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع فرض الصلاة»، و في سنده عبد العزيز بن مروان [١]، و هو تالف. قال الحافظ: «و الحق أنه لا يصحّ شيء من هذه الأحاديث، و قد جزم ابن المنذر «أنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- كان يصلّي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة و إلى أن وقع التشاور في ذلك على ما جاء في حديث عبد اللّه بن عمر ثم في حديث عبد اللّه بن زيد»- انتهى كلام ابن المنذر. و قد حاول السهيلي الجمع بينهما فتكلف و تعسّف و الأخذ بما صحّ أولى، فقال بانيا على صحته الحكم في مجيء الأذان على لسان الصحابي في المنام فقصّه فوافق ما كان النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سمعه فقال: «إنها لرؤيا حقّ»، و علم حينئذ أن مراد اللّه بما أريه في السماء أن يكون سنّة في الأرض، و قوّى ذلك عنده موافقته رؤيا عمر للأنصاري لأن السكينة تنطق على لسان عمر» .. انتهى.
و يؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد اللّه بن زيد حتى أضيف إليه عمر للتقوية التي ذكرها. و لكن قد يقال: فلم اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة. و قد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى، لكنها مؤوّلة، فإن لفظها: «سبقك بها عمر»، يحمل المراد بالسّبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد اللّه بن زيد.
السابع: قال السهيلي: «اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي
[١] عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو الأصبغ: أمير مصر. ولد في المدينة، و ولي مصر لأبيه استقلالا، سنة ٦٥ ه-، فسكن حلوان. و أعجبته، فبنى فيها الدور و المساجد، و غرس بها كرما و نخيلا. و توفي فيها.
و هو والد الخليفة عمر بن العزيز. توفي سنة ٨٥ ه-. الأعلام ٤/ ٢٨.