سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢١ - التنبيه السادس و الثلاثون
و ظاهر قوله في رواية آدم: «تعرض عليه أرواح ذرّيته» إلى آخره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة و النار في السماء. قال القاضي: «و هو مشكل، فقد جاء أن أرواح المؤمنين منعّمة في الجنة و أن أرواح الكفّار في سجّين، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟ و أجاب بأنه يحتمل أنها تعرض أوقاتا فصادف وقت عرضها مرور النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله تعالى: النَّارُ، يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا، [غافر: ٤٦] و اعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لهم أبواب السماء كما هو نص القرآن»، و الجواب ما أبداه القاضي احتمالا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم و النار كانت في جهة شماله و كان يكشف له عنهما.
و قال الحافظ: «و يحتمل أن النّسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد و هي مخلوقة قبل الأجساد و مستقرها عن يمين آدم و شماله، و قد أعلم بما سيصيرون إليه فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه و يحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد فليست مرادة قطعا و بخلاف التي نقلت من الأجساد إلى مستقرها من الجنة أو النار فليست مرادة أيضا فيما يظهر، و بهذا يندفع الإيراد، و يعرف أن قوله: «نسم بنيه» عام مخصوص أو أريد به الخصوص». انتهى.
و قال في الفتح في باب المعراج: «و ظهر لي الآن احتمال آخر و هو أن يكون المراد من «خرجت من الأجساد لا أنها مستقرة و لا يلزم من رؤية آدم لها و هو في السماء الدنيا أن تفتح لها أبواب السماء و لا أن تلجها، و يؤيد هذا ما رواه ابن إسحاق: فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيّبة و نفس طيّبة اجعلوها في عليّين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجّار فيقول: روح خبيثة و نفس خبيثة اجعلوها في سجّين. و في حديث أبي هريرة: فإذا عن يمينه باب بخرج منه ريح طيبة و عن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فهذا لو صحّ لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم و لكن سنده ضعيف و ظاهرها عدم اللزوم المتقدم» انتهى.
و قال السهيلي: «فإن قيل كيف رأى عن يمينه أصحاب اليمين؟ و لم يكن إذا ذاك منهم إلا نفر قليل، و لعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد، و ظاهر الحديث يقتضي أنهم كانوا جماعة، و الجواب أن يقال: إن كان الإسراء رؤيا بقلبه فتأويلها أن ذلك سيكون و إن كانت رؤيا عين فمعناها أن أرواح المؤمنين رآها هنالك لأن اللّه يتوفّى الخلق في منامهم كما قال في التنزيل اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: ٤٢] «فصعد بالأرواح إلى هنالك ثم أعيدت إلى أجسادها».
و قال ابن دحية: «فإن قيل: كيف تكون نسم السّعداء كلهم في السماء، و قد كان حين الإسراء جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم في الأرض و هم من السعداء؟ فالجواب: أن آدم