سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٠ - تنبيهات
و قوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو كانوا يعلمون» أي بفضلها من الصلاة في المسجد النبوي أو ثواب الإقامة فيها و غير ذلك. و يحتمل أن «لو» بمعنى «ليت» و لا يحتاج إلى تقدير، و على الوجهين ففيه تجهيل لمن فارقها و آثر غيرها. قالوا: و المراد به الخارجون من المدينة رغبة عنها كارهين لها. و أما من خرج لحاجة أو تجارة أو جهاد أو نحو ذلك فليس بداخل في معنى الحديث.
قال الطيب: «الذي يقتضيه هذا المقام أن ينزل أولئك الذين «لا يعلمون» منزلة اللازم لتنتفي عنهم المعرفة بالكلية، و لو ذهبوا مع ذلك التّمنّي لكان أبلغ لأن التمني طلب ما لا يمكن حصوله، أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظا و تشديدا». قال البيضاوي: «المعنى أنه يفتح اليمن، فيعجب قوما بلادها، و عيش أهلها، فيحملهم ذلك على المهاجرة إليها بأنفسهم و أهليهم حتى يخرجوا من المدينة، و الحال أن الإقامة في المدينة خير لهم لأنها حرم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و جواره و مهبط الوحي و منزل البركات لو كانوا يعلمون ما في الإقامة بها من الفوائد الأخروية التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها».
و قوّاه الطيبي لتنكير قومه و وصفهم بكونهم يبسون، ثم توكيده بقوله: لو كانوا يعلمون، لأنه يشعر بأنهم ممن ركن إلى الحظوظ البهيمية و الحطام الفاني، و أعرض عن الإقامة في جوار النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لذلك كرّر قوما» و وصفهم في كل مرتبة بقوله يبسّون بسبب اتخاذهم لتلك الهيئة القبيحة.
الثالث: في بيان غريب ما سبق:
«يبسّون» [١]: بمثناة تحتية فموحدة مضمومة و تكسر، قال أبو عبيدة: معناه يسوقون دوابّهم و البسّ سوق الإبل بقول بس بس عند السّوق و إرادة السرعة.
«الأرياف»: جمع ريف بكسر الراء، موضع الخصب- بكسر الخاء المعجمة- و السعة في المطعم.
«الّلأواء»: بالفتح و المد: الشدة و ضيق المعيشة.
«تنفي الخبث»: أي بإظهاره و إخراجه.
«الكير»: بكسر الكاف و سكون التحتية و هو المعروف بين الناس أنه الزّقّ الذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أن المراد بالكير كانون الحدّاد و الصائغ، و قيل: الكير هو الزّقّ و الكانون هو الكور.
[١] انظر اللسان ١/ ٢٨١.