سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٤ - الباب الأول في بدء شأنها
فدعا بالمال، فنقده،. و تحمّل هو و بنوه من ليلته، و في رواية: أن الثّمن لما صار في يده قال:
أي قوم إن العذاب قد أظلّكم، و زوال أمركم قد دنا فمن أراد منكم منزلا جديدا و جملا شديدا و سفرا بعيدا فليلحق بعمان، و من أراد منكم الخمر و الخمير و الديباج و الحرير، و الأمر و التأمير فليلحق ببصرى و سدير و من أراد منكم الرّاسخات في الوحل المطعمات في المحل، المقيمات في الضّحل فليلحق بيثرب ذات النّخل، فخرج أهل عمان إلى عمان، و خرجت غسّان إلى بصرى، و خرجت الأوس و الخزرج و بنو كعب بن عمرو إلى يثرب، فلما كانوا ببطن مرّ قال بنو كعب: هذا مكان صالح لا نبغي به بدلا، فلذلك سمّوا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، و أقبلت الأوس و الخزرج حتى نزلوا بيثرب».
«و لما أراد اللّه ما أراد من تفريق من بقي و خراب بلادهم أقبلت فأرة حمراء إلى هرّة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرّة، فدخلت الفأرة في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت بالسّدّ فحفرت فيه حتى وهّنته للسّيل و هم لا يدرون، فلما جاء السّيل وجد خلاء فدخل فيه حتى قلع السّدّ و فاض من الماء على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر اللّه تعالى».
«و لما قدمت الأوس و الخزرج المدينة تفرّقوا في عاليتها و سافلتها و منهم من نزل مع بني إسرائيل في قراهم و منهم من نزل وحده لا مع بني إسرائيل و لا مع العرب الذين تألّفوا إلى بني إسرائيل، و كانت الثروة في بني إسرائيل، و لهم قرى عمروا بها الآطام. فمكثت الأوس و الخزرج ما شاء اللّه، ثم سألوا اليهود في أن يعقدوا بينهم جوارا و حلفا يأمن به بعضهم من بعض، و يمتنعون به ممّن سواهم، فتحالفوا و تعاقدوا و اشتركوا و تعاملوا فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا، و أمرت الأوس و الخزرج، و صار لهم مال و عدد، فخافت قريظة و النّضير أن يغلبوهم على دورهم و أموالهم، فتنمّروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم فأقامت الأوس و الخزرج في منازلهم خائفين أن يجليهم يهود، حتى نجم منهم مالك بن العجلان، أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج و سوّده الحيّان الأوس و الخزرج».
«و كان ملك اليهود الفطيون شرط ألا تهدى عروس إلى زوجها حتى تدخل عليه، فلما سكن الأوس و الخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بتلك السيرة. فتزوّجت أخت مالك بن العجلان رجلا من بني سالم، فأرسل الفطيون رسولا في ذلك، و كان مالك غائبا، فخرجت أخته في طلبه، فمرّت به في قوم، فنادته، فقال: لقد جئت بسبّة، تناديني و لا تستحي. فقالت:
إن الذي يراد بي أكبر، فأخبرته. فقال لها: أكفيك ذلك. فقالت: و كيف؟ فقال: أتزيّي بزيّ النساء و أدخل معك عليه بالسيف، فأقتله. ففعل. ثم خرج حتى قدم الشام على أبي جبيلة،